رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


خواطر رمضانية (1)

ــــ رمضان غير: يصوم الكثير من المسلمين أيامًا مختلفة وفي مناسبات مثل يوم عرفة وعاشوراء وأيام الإثنين والخميس والليالي البيض، أحد الزملاء يصوم كثيرًا وهذا من فضل الله عليه. كنت أحدثه قبل دخول شهر رمضان وجزمت أنه لا فرق بالنسبة له بين رمضان وغيره نسبة لكثرة صيامه، لكنه اعترض وقال إن رمضان مختلف تمامًا، فبرغم أن الصيام هو العمل الأكثر بروزًا لدى الجميع إلا أن الشهر الفضيل يحمل معه الكثير من التغيير في سلوك الناس. تغييرات إيجابية وتغييرات سلبية.
ــــ تسوق.. ثم تسوق.. فتسوق: ينشغل الناس كثيرًا بالتسوق قبل وفي أثناء الشهر الكريم. يتبضعون مواد غذائية بكميات تعطي الانطباع أن الشهر هو شهر أكل وليس شهر صيام. كميات المواد الغذائية التي نشتريها ونعدها تتنافى مع مفهوم الشهر وقضيته الأساسية، وهي محاربة النفس والشهوات. يكرر الجميع الأسئلة نفسها: لماذا نفعل ذلك؟ ولماذا تنشغل ربات البيوت بالطبخ والنفخ برغم أن أكثر الطعام لا يؤكل؟ أتمنى أن أرى من يتبنى مفهوم الإبقاء على العادات الغذائية وتحويل ما يفيض من المال للصدقات لنحقق الغاية الأسمى من رمضان وهي الشعور بالمحتاجين.
ــــ فجأة يأتي تسوق آخر: يستمر الشراء طول الشهر، برغم الغلاء، إلا أن النمط يبدأ في التغيير مع قرب انتهاء الشهر، فيتوجه الناس لشراء احتياجات العيد من مأكولات وملابس، بل إن كثيرين يغيرون ديكورات منازلهم استعدادًا للعيد. الشراء المستمر طول فترة تزيد على الشهر يؤدي إلى نكسة في ميزانيات الأسر. دخل ثابت وأسعار مرتفعة ومعروض كثير ومغرٍ وحاجة لمسايرة الجيران والأهل والأصحاب، ليت راتب شهر رمضان يضاعف أو يصرف راتب شهر عيدية، كما تفعل بعض الشركات لمواجهة الضغط.
ــــ الضيق والضجر: تنقلب الحياة في رمضان فيتحول النهار ليلاً ويصبح الليل أكثر شبهًا بالنهار. تسير في النهار في شوارع خالية إلا ممن اضطرهم العمل أو الحاجة للخروج. يدعم هذا الهروب ارتفاع درجات الحرارة والنفسيات التي تصل ''رؤوس الخشوم'' طيلة نهار رمضان، لتصل إلى قمتها من بعد صلاة العصر إلى أن ينذر المؤذن بانتهاء فترة ''التنفيس''.
صُمْتُ ذات سنة خارج المملكة ولم أشاهد هذا الكم من الكسل والخمول الذي نعيشه في نهار رمضان، بل حتى النفسيات لم تكن بالسوء الذي نشاهده في شوارعنا ومحالنا التجارية وحتى الدوائر الحكومية، ولم أجد تفسيرًا لهذه الحالة.
ــــ مسلسلات: ينشغل الناس كل ليلة بمعركة ''الريموت''، فالقنوات تتنافس لتحصل على الحظوة. هذا التنافس جعل المشاهد في حيرة من أمره، وأصبح مشجعو كل فنان يطالبون بتشغيل القناة التي تعرضه. أزعم أن الشعب السعودي هو الذي أوجد هذا الكم من التنافس الدرامي في الشاشات. كان التلفزيون السعودي يجهز برامج خاصة لرمضان منذ التسعينيات كالفوازير وعلى مائدة الإفطار والمسابقات الرمضانية. انتقلت العدوى للقنوات الفضائية وبدأ التنافس المحموم على برامج ومسلسلات رمضان التي يرى منتقدوها أنها تفقد الشهر طابعه الديني.
ــــ عمر: على أن هذا العام حمل معركة حامية الوطيس بين مؤيدي ومعارضي عرض مسلسل ''عمر'' خلال شهر رمضان. المؤيدون يرون فيه تكريسًا لتاريخ هذا الصحابي العظيم، وتعريفًا بمآثره وقدرته وسيرة حياته، وقد نال منه كثيرون وأساؤا إليه ــــ رضي الله عنه ــــ. يرون أن عرض سيرة عمر من قبلنا خير من أن نعطي أعداءه الفرصة لتشويه صورته.
يرى المعارضون أن عمر معروف، وتاريخه مشهود، وفتوحه معروفة، وتمثيله من قبل أشخاص امتهنوا العمل الدرامي هو انتقاص من قدره، خصوصًا إذا كان من يمثل الشخصية سيمثل شخصيات فاسدة أو سيئة السيرة، فيربط المتلقي بين الصورتين. وبصراحة وقع الناس في لغط وفقدوا القدرة على اتخاذ القرار بالمتابعة أو المقاطعة، خصوصًا أن هناك من ينشر رؤى مختلفة حتى لعلماء الدين حول المسلسل.
ــــ الصلاة ورمضان: تزدان المساجد والجوامع في هذا الشهر، ويكثر عمارها. أصبح الناس يعمرون المساجد بشكل أكبر كل عام وهي بشرى خير ـــ بإذن الله ــــ. يحتار المصلي إلى أي مكان يذهب، فجمال المساجد يزداد ويتنافس بنَّاؤها على إعطائها المزيد من الجمال والهيبة، ويؤم الناس في كل مسجد إمام صوته أجمل من الآخر، ويتنافس الكل في استقطاب القراء ذوي الأصوات الجميلة، ليجذبوا المزيد من المصلين، وحتى صغار السن تراهم يقومون مع المصلين حتى نهاية الصلاة.
ــــ فجأة ينتهي الشهر: ما إن نتعود على جمال وبهاء الشهر الكريم ويصبح نظامه عادة يومية، ونستمتع بجماله وأسلوب حياتنا فيه، حتى نفاجأ بانصرامه. كان الأولون يقولون عند تناول إفطار أول ليلة في رمضان ''انتهى الشهر'' كناية عن سرعة تصرم أيامه ولياليه. لكن المهم هو أن نفكر جميعًا بما أودعناه في هذا الشهر من الأعمال، ونحرص على أن تكون أعمالًا صالحة تقربنا إلى ربنا وتدعم صلتنا بأرحامنا وتوثق العلاقة بين غني المجتمع وفقيره.
ــــ ختامًا: أتمنى لو يستطيع كل واحد منا أن يتعرف على المعوزين في حيه ومكان سكناه، ويوجد معهم روابط تجعل قيم رمضان التي أرادها الله ـــ سبحانه وتعالى ــــ من تشريع هذا الشهر واقعًا يحولنا إلى مجتمع متماسك متحاب يعتني فيه الكبير بالصغير والغني بالفقير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي