خفض أو لا خفض

خفض أو لا خفض

سجلت أسعار النفط مفاجأة يوم الأربعاء الماضي بارتفاعها بقرابة دولار ونصف الدولار في البرميل، وهو أعلى معدل لها منذ الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. وأسهمت عدة عوامل في هذه القفزة، منها تراجع المخزونات الأمريكية وبعكس ما كانت تتوقعه السوق، فالمقطرات بما فيها زيت التدفئة حققت تراجعا في حجم مخزونها بنحو المليون برميل إلى 12.8 مليون، بينما كان الاعتقاد أنها ستحقق زيادة في حدود 400 ألف برميل. مخزون البنزين حقق تراجعا بنحو 600 ألف برميل إلى أقل معدل في مثل هذا الوقت من العام.
لكن أهم من هذه التراجعات التي جاءت مخالفة لتوقعات السوق، فإن الأرقام الخاصة بالنمو في الاقتصاد الأمريكي خلال فترة الربع الثالث من العام استقرت عند 2.2 في المائة، بينما كانت السوق تتوقع أن تستقر تلك الأرقام عند 1.8 في المائة بعد المراجعة.
إضافة إلى هذا هناك التوقعات الخاصة بموجة برد ستتجه إلى الجزء الشمالي الشرقي من القارة الأمريكية، بعد أن ضربت الجزء الشمالي الغربي منها، كما أن الضعف الذي بدأ يعتري الدولار، وهو عملة تجارة النفط الرئيسية أصبح عاملا مساعدا في تحريك الأسعار.
كل هذا يصب في النقاش الداخلي الجاري بين الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، وهي مواجهة بقرار خلال اجتماعها الدوري المنتظر انعقاده في ظرف أسبوعين، وهل تقوم بخفض جديد للإنتاج يدعم من الخفض الذي بدأ تطبيقه ابتداء من الأول من الشهر الماضي أم لا.
ورغم شكوك السوق المتعلقة بمدى جدية الدول الأعضاء في تنفيذ برنامج الخفض ذاك، إلا أن آخر تقديرات السوق أن صادرات المنظمة تراجعت بنحو 1.28 مليون برميل يوميا في فترة الأسابيع الأربعة حتى التاسع عشر من الشهر الماضي، وأنها تقل بنحو 1.7 مليون برميل يوميا من قمة الإنتاج التي وصل إليها إنتاج المنظمة في منتصف تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وذلك بعد مضي قرابة ثلاثة أسابيع على بدء برنامج الخفض.
الارتفاع الأخير في سعر البرميل كما هو واضح يعود إلى أسباب بعضها مؤقت وبعضها له آثار ممتدة، فالحديث عن الطقس وربما تحركات المخزونات التي تتغير من أسبوع إلى آخر يمكن تصنيفها في الإطار المؤقت، ولو أن المخزون بصورة عامة يظل عاليا ومتجاوزا معدل خمس سنوات، وهو ما يمكن أن يشكل عنصر ضغط على الأسعار في الربعين الثاني والثالث من العام المقبل.
إضافة إلى هذا فهناك الحديث المتنامي عن ضعف الدولار، الذي سيشكل هاجسا لدى "أوبك". ورغم تجاربها السابقة بالإبقاء على الدولار عملة لتجارة النفط، وتجاوز الاقتراحات بإحلال بديل آخر من سلة عملات محله، إلا أن إبقاء أسعار النفط مرتفعة يمثل دائما أحد الخيارات لمقابلة التراجع في العائد من البرميل.
على أن العامل الرئيسي يظل معدل الطلب على النفط بصورة عامة وعلى نفط "أوبك" بصورة خاصة، وهو ما تحتاج المنظمة إلى النقاش الداخلي بشأنه, وفوق هذا معدل الأسعار الذي ترغب فيه أخذا بكل هذه العناصر في الاعتبار وفوقها كيفية جعل التسعير عاملا في تحفيز الطلب.
للمنظمة تجارب ثرية في هذا المجال ومختلف أنواع النقاشات سواء في الفترات التي تراجعت فيها الأسعار أو انفجرت مرتفعة إلى الأعلى. والخيارات على المستوى النظري متاحة ومعروفة. ونظرة إلى تلك التجارب يتضح بصورة جلية أن مصالح الدول الفردية تتقدم على مصلحتها كمجموعة ما لم يصل الخطر إلى الجميع ويفرض عليها التصرف من منطق مصلحة المجموع، وثانيهما أنه لم تتبلور حتى الآن آلية داخلية لها القدرة على تقديم أرقام وتحليلات يمكن الاعتماد عليها حتى يمكن اتخاذ قرارات لا تستند إلى المصادر الثانوية المتاحة أمام الكل وفيها من التضارب ما يمكن أن يدفع في الاتجاه الخطأ.
والإشكال الثاني في جزء منه يعود إلى الإشكال الأول، فالأرقام الخاصة بإنتاج كل دولة أو حجم احتياطياتها وأوضاع كل حقل والقدرات التصديرية تعتبر من الأسرار العليا للدولة التي لا يمكن الاطلاع عليها، رغم أنه في بواكير تاريخ المنظمة كانت هذه الأرقام تنشر بانتظام وبصورة رسمية. كل هذا يمكن أن يدفع المنظمة إلى اتخاذ الموقف التقليدي والتحرك من باب رد الفعل، بدلا من أخذ زمام المبادرة لتوجيه السوق.
السجل السابق يوضح أن أخذ زمام المبادرة يأتي دائما من دول فردية لها ثقلها بالطبع وتسحب معها الآخرين، ولهذا تبلورت وبرزت سياسة التعامل مع وضع السوق بصورة آنية وكلما استجدت متغيرات. ويساعد على هذا أن المنظمة ولفترة طويلة نأت بنفسها عن تحديد ما هو السعر العادل الذي تسعى إليه وبموجبه يمكن تحديد حجم الإنتاج والإمدادات إلى السوق، بل يمكن بموجبه العمل على تقليص أو زيادة حجم المخزونات لدى الدول المستهلكة، التي تشكل بصورة أو أخرى عامل ضغط على الهيكل السعري، وهذا المناخ سيحكم يما يبدو موضع الخفض في اجتماع المنظمة المقبل.

[email protected]

الأكثر قراءة