الفاعل مجهول

دخل صاحب المزرعة الغرفة التي كان يسكنها أحد العمال بعد أن سمع أنه يمارس فيها ''سلوكيات منحرفة''، فوجئ الرجل عندما رأى ''طراحتين'' على الأرض وعليهما بعض الملابس الداخلية النسائية. جال داخل الغرفة ليكتشف أن العامل الذي كان يدعي الضعف والخوف من كل شيء، فتح في جدار المطبخ ثغرة تؤدي إلى حظائر الأغنام. هذا الممر السري كان وسيلة لتهريب من يتواجدن عنده من ضيفات السهرات التي يقيمها بالاشتراك مع صديقه الذي كان يرعى ماشية جيران هذا الشيخ الكبير.
رأيت الموقع وما تبقى من ملابس تلك المرأة بأم عيني، وإلا لما كنت لأصدق وجود ممارسات كهذه في قرية جنوبية وادعة، ينتهي يوم أهلها قبل العاشرة مساء. استرجع الشيخ أنه كان دائماً يضطر لإيقاظ العامل وأنه كان يكتشفه نائماً أغلب الأحيان عندما يذهب إلى المرعى.
تطورت إشكالية ما يعرف بـ''المجهولين''، وهم في الغالب يبحرون من إفريقيا في قوارب متهالكة إلى الشواطئ اليمنية، ثم يتنقلون بين القرى وعبر الجبال نحو ''أرض الأحلام''. يدخلون بأعداد تتزايد كل عام، ومعها ترتفع نسبة المخالفات والجرائم المرتكبة. يقضي النساء والأطفال أغلبية أشهر السنة في التسول، ويقوم الرجال بأعمال الرعي والبناء والزراعة، إلا أن الكثير منهم يمتهنون أعمالاً ''غير أخلاقية'' ومخالفة للنظام والشرع. مع بقائهم هذه الفترة الطويلة، لا بد أن يحتك كل منهم بالآخر ويتجهوا نحو السلوكيات الفاسدة مثل تلك التي بدأت بها مقالي.
تقول إحدى المتسولات إنها تدخل السعودية في شهر رجب وتجمع خلال خمسة أشهر مبالغ وتموينات تكفيها وأسرتها خلال بقية العام الذي يقضونه في اليمن. حيث يمارسون بياتاً شتوياً حتى تأتي فترة الصيف الذهبية. عرضت عليها أن تعمل في الخدمة في المنازل أو التنظيف الخارجي فرفضت رغم فقرها الشديد.
وصل الحال بهؤلاء إلى ارتكاب جرائم القتل، وفيها يضيع دم القتيل لعدم وجود أي أساس يمكن من خلاله كشفهم أو التعرف على هوياتهم أو مواقعهم. دخل الكثير من سكان القرى في حالة من الحرب مع المجهولين نتيجة جرائم القتل والسحر والبغاء وترويج الخمور. نتج عن ذلك أعداد كبيرة من الوفيات والمصابين، تحول المواطنون إلى منفذين للقانون بعد أن عجزت السلطات الأمنية عن التعرف على المجرمين لندرة المعلومات عنهم وحركتهم المستمرة. أصبح القتل الوسيلة الوحيدة في التعامل مع المجهولين لدى بعض المراكز ونتج عنه ضحايا لا ذنب لهم.
المشكلات مرشحة للتفاقم بسبب استمرار دخول المجهولين للبلاد، ووجود مغريات تحول بينهم والعودة أدراجهم. يستدعي الحد من هذين الأمرين التعاون الوثيق والالتزام من قبل الجهات الأمنية المختصة والمواطن. دور المواطن مركزي في هذه القضية، بل قد يكون أهم من دور الجهات الأمنية، فحدود المملكة التي يتجاوز طولها 6700 كيلو متر تستعصي على أي منظومة أمنية مهما بلغت تجهيزاتها. البحث عن المال هو أصل القضية، وهذا يرجح كفة مسؤولية المواطن. لست ضد تقديم العون للمحتاجين، لكن دخول المزيد من الأشخاص بطريقة غير شرعية يرفع عدد الجرائم، وأنواعها، كما أنه ثغرة أمنية خطيرة يمكن أن يستغلها المهربون والإرهابيون.
تعاون المواطن والجهات الأمنية تمثله إجراءات أساسية لازمة للحد من هذه الحالة التي تنذر بخطر شديد ومنها:
- يجب أن يتوقف المواطنون عن دفع الصدقات للمتسولين والمتسولات في أي مكان، بل إنه في حالة مثالية يفترض أن يتعاون الجميع في الإبلاغ عن هؤلاء ومواقعهم وأنشطتهم وتسليمهم للجهات المسؤولة عن الشؤون الاجتماعية والأمنية لحماية الأمن وضمان المحافظة على مظهر حضاري للدولة، وإيصال المحتاجين للجهات التي يمكن أن ترعاهم.
- يستلزم أمن الوطن عدم تشغيل أي عمالة مجهولة المصدر في أي مكان، وهي ثغرة تسببت في جرائم كثيرة.
- الإبلاغ عن المخالفات والمخالفين مسؤولية وطنية ما دامت الوسائل النظامية متوافرة، لأن في هذا مصلحة الوطن ومصلحة المواطن نفسه. يجب أن ندع النعرات والعصبية جانباً، لأن الوطن مستهدف، والسيل بلغ الزبى.
- لا بد أن يكون رجال الأمن على مستوى المسؤولية، فهناك من يرون أنه ما لم يخالف ''المجهول'' فليس هناك ما يستدعي توقيفه. وهذا من التفسير الخاطئ للنظام وتبني مسؤولية المشاركة في مخالفة قوانين البلد، من أشخاص يفترض أنهم أول المطبقين لها.
- لا بد أن تسيِّر الجهات الأمنية دوريات أرضية وجوية تراقب مواقع تجمع هؤلاء المخالفين، خصوصاً أنها معلومة للجميع، وسبق أن وقعت فيها مواجهات بين الجهات الأمنية وهؤلاء بسبب الإهمال الذي دفعهم لجمع الأسلحة والذخائر فيها.
- يجب أن يتم التنسيق مع سكان القرى الحدودية وتشجيعهم على الإبلاغ عن التحركات المشبوهة وأوقاتها.
أي مجهود يبذل في الحد من عبور الأفراد غير المشروع للحدود، وحركتهم داخل أراضي المملكة، ستكون له منافع أمنية واقتصادية للوطن بأكمله، كما أنه يتطلب بعض التنازلات والتعاون، الذي هو من قبيل الواجب الوطني علينا جميعاً.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي