الحبُّ أن تمشي على الطريق
.. ''أن تمشي على الطريق.'' تقرأه لابن رشد وهو في صراع مع حسد الماكرين. عرف ابن رشد يوم أزمته مع أعدائه الذين أغلظوا بعداوته وحرقوا كتبَ أهم عقلٍ ظهر في القرون الوسطى على الإطلاق. لقد فقد العالمُ كنوزا من المعرفة لابن رشد وابن طفيل ولكثير من الحكماء والعلماء والفلاسفة فقط بسبب الغيرة والكره والأنانية المفرطة.
لذا قال ابن رشد ''أن تمشي على الطريق''.. طريق التحرر الأعظم، طريقٌ مرتفع عن ترهات بشرٍ ساقطين في صفاتهم الدُنيا، والنهضة والارتقاء لطبقات الصفاء والنقاء والقوة المطلقة، ولا تكون القوة المطلقة في العضل ولا الجاه ولا الثروة، بل في الترفع عن العضل والجاه والثروة. هي أن تعقد اتفاقية سلام مع الكون كما قالها كلٌ بصيغته الأخاذة طاغورُ الهندي، ومحمد إقبال الباكستاني، ومعنى هذه الاتفاقية أن تتفق مع معطيات الخالق العظمى، وعناصره الأسمى، فلا تنزل لسفسافٍ ولا ساقطٍ من الأمور، فإن الشمسَ في عليائها تعطي النورَ والحياة بأمر خالقها بتواضع رغم قوة العطاء ورغم سمو الاعتلاء.
إن الطريق الذي وجده ابن رشد - ذلك العقل الاستثنائي، أن الرغبات ألهته عن الروح.. فالعقل ينقب ويحفر في الطرق وبطن الأرض استكشافا لأصل الحقائق، ولكن الروح استجلاء للتواصل الأعظم مع خلق الله الأعلى، وانتشاء بالقدرة الربانية الميسِّرة والحامية، والانعتاق من طلبات الجسد المادي، وهي طلبات تنهك صاحبها وتنهك آخرين. عندما قال نابليون يوم ادعى الإسلام أثناء فتحه لمصر إنه لاحظ أن شيوخ المسلمين بسّامون وكأن العالمَ ليس فيه ما يقلق.. فقد صدق صدقا عميقا، رغم كذبه وادعائه الغرضي بأنه أسلم.. يعني تلمست روحه الحقيقة الصافية، وتبعت مطالب مادته الحية رغباتُه الطاغية.
إن المشي على الطريق الروحي ليس فقط الاكتفاء بتأدية الفرائض والواجبات، بل بغسل النفس من أدرانها، وأرى أن أكبر غسل للأدران ومولد الصفاء الأرقى هو: المحبة.
لقد علمنا الله المحبة بأكثر من طريقة والإجابات تملأ حياتنا، ولكننا لا نتنبه لها إلا كما يلفع وجوهنا مسحة نسيم، ولا نلتفت إلا لهبوب عواطف السموم وأعاصير الغبار.. انظر إلى المحبة في قلب أمك وقد زرعها الله كأكبر شجرة حبّ في بدء الحياة لانتهائها، وفي قلب زوجةٍ محبة، وأختٍ وأخ.. فهل وقفت وتأملت ثم مشيت على الطريق؟
هل راقبتَ عيني طفلٍ فرِحٍ يشهق بإقبال أمّه وبشاشة أبيه وفرح بلعبته بلا أدنى وصمة خفاء وتمثيل وادعاء.. ثم مشيت على الطريق؟ هل سألت نفسك لم يأتيك صديقٌ ناصح لا يكسب من نصحه إلا ما ينفعك ويعرف أن الناصحين ثقالا غير مقبولين، لأن النداء المادي يشد كل واحد لرغباته الأرضية، والنصائح تأتي لتقطع خيوط تلك الرغبات؟ وهل تأملت وتعمقت بقلب الناصح الذي لا يكسب من نصحك بل قد يخسر رفقتك.. ثم مشيت على الطريق؟
تشكو أنك غير محظوظ وأن اليأس يحيطك بينما أول حظوظك أنك إنسان مكتمل العقل والقوة والجسد والإرادة، فتصنع أنت لنفسك وهمَ اليأس والانهزام؛ ألم يخرج كبارُ العظماء من أفران التعب والشقاء والتصغير؟ ألم يغير العالمَ أفرادٌ عاشوا وسط صهير الفشل والتحبيط والجرّ للقاع؟ بل هي النوعية الأكثر إنارة للعالم. ألا نسترجع أن اليأسَ والعجزَ والتشكّي هي أثقالٌ نضيفها لنغرق أكثر في حمأةٍ نحن فيها أصلا؟ ألا نتعقب التجارب الإنسانية الساطعة، تجاربُ عانى أفرادُها أكثر منا وبكثير، وبعضهم لم يكتمل حواسا أو خلقا وحركوا التاريخ.. ثم نمشي على الطريق.
كل ذاك تختصره المحبة.. الحب الذي يأتي نتيجة معانقة الروح لمصادرها الأزلية، إلى ما وظفه الله بعناصر التكوين لجلب السعادة للقلوب. لو رأينا الحب يشع في عيون وقلوب من أحبونا لوصلتَ لسعادةٍ أخاف عليك أن تدمنها من فرط الانعتاق والطفو للطبقات العليا الفسيحة.
هل أنت تائه؟ أجبرْ حالة التيه على التوقف، فدائما الأجوبة أمامنا، نجح من رآها وتناولها.. وضاع الآخر.
المحبة هي الحل، ولا أدعوك لحب الآخرين بل أن تعرف كيف تحب نفسك، فمن يميل للحزن واليأس ويضع القيود والشوك في قدميه كي لا يسير لا يحب نفسه حقا. ومتى عرفت كيف تحب نفسك، ستعرف أن تحب الآخرين.
.. وستمشي على الطريق.