رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ماذا ينقص نظام الرهن العقاري؟

تمر إسبانيا بصعوبات مالية كبيرة، وتأتي بعد اليونان في تهديد استقرار منطقة اليورو. اتفق وزراء مالية الاتحاد على إقراض إسبانيا مبلغ 100 مليار يورو لمساعدة بنوكها على تفادي أزمة الدين التي تهدد بإفلاسها. واحد من أهم أسباب تلك الأزمة قيام الدولة بإنشاء خمسة ملايين وحدة سكنية وتوزيعها من خلال نظام رهن عقاري غير عادل.
أدى تضخم الديون إلى تحمل الدولة إشكالية معالجة تعثر المدينين، إلا أن الاقتصاد يواجه صعوبات منذ عام 2008 ولم يستطع تجاوزها. التزام الدولة بحل مشكلات الاقتصاد دفع بها إلى انتهاج سياسة اقتصادية عمقت الأزمة وهي تهدد منطقة اليورو بشكل أكبر من أي وقت مضى. توقف الكثير من الملاك عن سداد القروض المستحقة بأسباب انخفاض الدخل وارتفاع معدلات البطالة ونسب الأرباح العالية المفروضة عليهم أسباب مهمة أدت لهذه الأزمة. هذا احتمال يجب أن يتكرر في سوقنا، وهو ما يستدعي إضافات مهمة لنظام الرهن العقاري.
يمثل نظام الرهن العقاري في المملكة آلية مهمة تنظم سوق العقار وتسهل تملك الأفراد المساكن. لكنه يستلزم، إضافة إلى النوايا الحسنة، وضع قواعد صارمة تضمن استمرار الملاك في تسديد الأقساط المستحقة عليهم، من خلال وضع شروط معقولة ونسب فائدة يستطيع الراهن معها الأداء دون ضرر اقتصادي يلحقه أو يحرمه من مسكنه. المعلوم أن التزامات المواطن تزداد مع الوقت، ومصروفاته تكبر مع ارتفاع عدد أفراد أسرته. لا بد أن تضع وزارة الإسكان قيوداً صارمة تمنع البنوك من ''الاستفراد'' بالمواطن، بسبب حاجته. تفرض بنوكنا اليوم على المقترضين نسب أرباح ''مركبة'' تصل إلى 5 في المائة من سعر السوق، ولو فرضنا أن النسبة التي يحصل عليها البنك من المقترض هي 3 في المائة سنوياً على عقار قيمته مليون ريال، فإن أرباحها الفعلية تصل إلى 75 في المائة من قيمة العقار عند شرائه، أي أن قيمة العقار ستكون 1.570 مليون ريال، مبلغ خيالي وغير منطقي، ولا أظنه يستحصل إلا عندنا.
فإذا علمنا أن البنك يعيد استثمار أرباحه في قروض جديدة، وفرضنا أنه خصص للقروض من هذا النوع مبلغ مليار ريال، فإن رأسمال عملية الإقراض هذه لن يقل عن 15 مليار ريال بعد عشر سنوات. هذه الأرباح الخيالية يجب أن تستوقف منظمي سوق العقارات وأهمهم وزارة الإسكان. اعتماد نسبة الربح المركب عملية فيها ظلم كبير للمواطن وقد تؤدي إلى عدم القدرة على السداد بعد خمس أو عشر أو حتى 20 سنة، وهو ما يمكّن البنك من وضع يده على العقار موضع الرهن.
يتضح من نظام الرهن العقاري أن هناك ضرورة لإيجاد جهة محايدة تحدد قيمة العقار موضع الرهن. إن بقاء القيمة خاضعة لرأي الجهة المرتهنة يوقع الراهن في إشكالية سوء تقدير سعر العقار، بحيث ترهن عقارات مقابل مبالغ قد تعادل نسبة بسيطة من قيمة العقار الفعلية. يكون الراهن - عادة - محتاجاً وهذا يضعه في موقف محرج، بحيث يقبل أي عرض مقابل رهن ما يملك، ولا أستبعد أن تتفق البنوك على سياسة أو تنظيم معين يعطيها الحق في تقييم العقارات بأقل من قيمتها الحقيقية.
يتحدث الكثير من المراقبين عن انهيار قد يتسبب فيه النظام الجديد لسوق العقار. هذه الاحتمالية تعززها إمكانية ظهور كيانات تسعير تديرها البنوك، ويستغلها كبار تجار أو شركات العقار في الاستحواذ على المزيد من العقارات بأسعار أقل من قيمتها العادلة. وكما يتضح من هذه المعادلة، فإن المتضرر الحقيقي من انهيار كهذا هو المواطن، وهو ما حدث بالضبط في أزمتي سوق الأسهم الماضيتين. هذا الانهيار سيكون محدوداً بفترة الاستحواذ من قبل البنوك وكبار الملاك، وبعدها ستعود السوق للتعافي.
تكرار أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة وارد، بل قد يكون تأثيره في المقترضين فقط. كل هذا بسبب المبالغة في الإقراض دون ضمانات معقولة، وإيجاد كيانات ضامنة كشركات التأمين العقاري والمبالغة في تسعير أصولها، وربط الضمانات على العقارات بمستندات ورقية لا تحميها أصول مالية معقولة. إضافة إلى التكتلات المالية التي تحصل على مردود مالي خلال فترة لا تتجاوز سبع سنوات كما هو الحال لدينا. هذا كله يستدعي أن تقوم الدولة بحماية المواطنين من تبعات الاستهداف المخطط الذي ستنفذه هذه الكيانات العملاقة.
- يجب على وزارة الإسكان أن تسيطر على سوق الإقراض، بحيث تؤسس هيئة عامة للإقراض تكون الوحيدة المخولة بالإقراض لغرض السكن.
- تساهم البنوك في هذه الهيئة بنسب حسب رغبتها، لكن القواعد والتسعير والفوائد تحدد من قبل الهيئة الحاكمة.
- تعتمد الهيئة نسب أرباح معقولة لا تتجاوز 2 في المائة، وتعتمد الربح البسيط بحيث لا يتجاوز ما يدفعه المواطن ربع قيمة العقار خلال 25 سنة وتنقص هذه النسبة كلما نقصت مدة القرض.
- ليس من المهم أن تنشئ الوزارة المساكن، وذلك لأن مشاريع الدولة تتكلف مبالغ أكبر بطبيعتها، ويمكن أن تسهم الوزارة في الهيئة مثلها مثل أي بنك، وتحصل على أرباح تسمح لها بزيادة حصتها في عمليات الإقراض التي تنفذها الهيئة العامة للإقراض.
إن الهدف من أي نظام تصدره الدولة خدمة وحماية المواطن وتحقيق الرفاه له. هذا النظام بوضعه الحالي لن يحقق ذلك ما لم تسنده عملية سيطرة قوية للدولة على سوق الإقراض لغرض السكن.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي