رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


النسيج السياسي الاجتماعي فخر الصناعة السعودية

على الرغم من المكانة الرسمية والاجتماعية والمحبة والولاء التي يحملها المواطنون السعوديون لملوك وأمراء البلاد، إلا أن المراقب يلاحظ بكل وضوح أنه ليس هناك تطرف وتزلف أو نفاق يتعدى حدود التقاليد والأعراف والآداب العامة في التعبير عن تلك المحبة والولاء، لأن العلاقة بين الشعب السعودي وحكامه علاقة متينة تضرب جذورها في عمق التاريخ أساسها لحمة الدين والأخوة والقيم العربية الأصيلة. فها هو المشهد يتكرر مرة تلو الأخرى، كان آخرها مراسم دفن جثمان فقيد الوطن الأمير نايف بن عبد العزيز - رحمه الله، فلا مراسم مزيفة ولا قباب مزينة ولا تماثيل ونصب تذكارية ولا مظاهر بهرجة كما يحدث في كثير من دول العالم، هكذا نواري موتانا الثرى بكل بساطة وتساو بين الناس، لا فرق بين حاكم ومحكوم وغني وفقير. هذه ميزة وعلامة فارقة تنفرد بها السعودية كنظام قائم على شريعة الإسلام التي تساوي بين الناس كأسنان المشط في حال الحياة كما في حال الموت. فالمواطن السعودي يستطيع مقابلة الملك والأمراء والوزراء وجميع المسؤولين ويتواصل معهم وجها لوجه دون تعقيد أو تأخير. البعض منا يأخذ هذه المظاهر البسيطة في ظاهرها العميقة بمعانيها ومقاصدها التي اعتاد مشاهدتها على أنها من المسلمات، لكن - مع الأسف الشديد - نجد في دول إسلامية حادت عن تعاليم الشرع فراحت تتكلف العلاقة بين المسؤول والمواطن في إطار موغل في الشكلية والرسمية دون عمق عاطفي وإحساس من داخل الذات. والحقيقة أن السعوديين يقدرون زعماءهم ويكنون لهم الولاء ربما أكثر من غيرهم، لكن بطريقة تعكس العلاقة الفطرية والمميزة بين الحاكم والمحكوم وفي إطار الشريعة الإسلامية وليس بتزيين قبورهم ووضع نصب تذكارية ومسيرات عسكرية. ما لا يعرفه الآخرون عن السعودية هي أنها أكثر من دولة يجتمع الناس فيها تحت نظام موحد وقانون عام وحسب، هي في واقع الأمر أسرة كبيرة متحابة متماسكة ومتمسكة بحبل الله وأخوة الإسلام ونهج السلف الصالح والتقاليد العربية الأصيلة. والأسرة الحاكمة جزء لا ينفك من المنظومة الاجتماعية، بل هي مرتكز التوافق والتوازن وتحقيق الاجتماع وإنجاز المصالح العامة. الأسرة التي ارتضاها الشعب السعودي لأكثر من ثلاثة قرون ببيعة شرعية تقف من الجميع على مسافة واحدة، وهي معادلة حرصت على تحقيقها، وهي العنوان الأبرز في النظام السياسي السعودي. هذا الوضع المترابط بأوشاج المحبة في الله والولاء والطاعة ببيعة شرعية والحرص على إنفاذ الشريعة وتحقيق العدل والأمن والأمان وحفظ أموال الناس وأعراضهم هي السر وراء استقرار السعودية وحالة الأمن على الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجهها.
قد يرى البعض ممن تستغرقهم الجزئيات والتفكير الضيق ويسعون في التفتيش عن الأخطاء ويستمتعون بجلد الذات أن حديثي فيه نوع من الإطراء أو المديح والتضخيم الذي ينافي الواقع، لكن لو نظروا إلى الصورة الأكبر لوجدوا أن النظام السعودي، مع الاعتراف بالقصور والأخطاء، متميز بحفظ كرامة الإنسان ويسعى نحو تخطي هذه الأخطاء ومعالجتها، وهذا منطلق جيد وأرض خصبة للمزيد من التنمية السياسية والاقتصادية. وربما كان البعض يعيب علينا أننا لا نطبق الديمقراطية الغربية في عملية صنع القرار العام، لكن العبرة بتحقيق قيم العدل والمساواة وحرية التعبير والحفاظ على الدين والأعراض والأموال، وهي ليست حكرا على وسائل وإجراءات النظم الديمقراطية الغربية. كما أن هناك نظما عربية ظلت تنعتنا بالرجعية وتدعي التقدمية عبر مجالس نيابية وبرلمانات وانتخابات صورية لا تغني ولا تسمن من جوع، بل كانت وبالا على شعوبها تحكم باسمهم وهي أبعد ما تكون عنهم، حتى تلك الدول المتقدمة تئن من حال المخدرات والتفكك الأسري وسكان الشوارع والفقراء والسبب التحرر المنفلت باسم الحرية، وهو في الحقيقة انقلاب على الفطرة السوية حتى بلغوا من الانتكاسة بإجازة زواج المثليين، هذا فضلا عما تحدثه هذه الأنظمة المتحضرة الديمقراطية من جرائم بحق الإنسانية واعتداءات صارخة على حقوق ومقدرات المجتمعات الأخرى.
مرة أخرى لسنا مجتمعا ملائكيا خاليا من الأخطاء، بل يعترينا ما يعتري المجتمعات الإنسانية الأخرى من القصور والعيوب، لكن حُق لنا أن نعترف بإيجابيات نظامنا السياسي الاجتماعي، ليس من أجل التغني بالأمجاد والتفاخر الجاهلي بما تم إنجازه والتوقف عند محطة واحدة من التنمية، إنما من أجل مواصلة الجهود والبحث عن الأفضل والارتقاء درجات أعلى من التحضر الاجتماعي والتقدم الاقتصادي والمساهمة في الحضارة الإنسانية، وهذا يتطلب بالضرورة الاعتراف وتقدير واحترام هويتنا المرتكزة على ثوابتنا الوطنية لأنها هي كينونتنا ومناط اجتماعنا ولحمتنا .. فمن نكون لو تخلينا عنها؟! نعم هناك مساحة للتطوير تتطلب مزيدا من الجهد والموارد والقرارات الحاسمة والجريئة، لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال التخلي عن ثوابتنا وهويتنا الوطنية، إنما يجب أن تكون محاولة التغيير في إطارها وتدور في فلكها حتى لا ينفرط العقد الاجتماعي ونتفرق ونعود متناحرين متشرذمين. القضية تتعلق باستقرارنا وأمننا وهو ما لا يُقدره أصحاب النزوات والأفكار الشاطحة والأفكار المستوردة، كما أنه لا يمكن في الوقت ذاته أن نترك المستقبل دون تخطيط لما يجب عمله والسعي نحو إيجاد حلول وأساليب جديدة تتناسب مع العصر.
إن نظامنا السياسي الاجتماعي صناعة وطنية 100 في المائة، ومن نبت هذه الأرض الطيبة بشريعتها السمحة وقيمها وتقاليدها الأصيلة. نظامنا السياسي الذي ينتهج سياسة الباب المفتوح ليتسنى أي مواطن من مقابلة الملك أكبر سلطة بكل سهولة وبساطة وأريحية، وهذا يعكس العلاقة الفطرية المميزة بين الحاكم والمحكوم بعفوية وانسجام تامين ليشكل نسيجا اجتماعيا مترابطا لتكون السياسة من أجل الناس وتحقيق مصالحهم وأهمها إقامة شرع الله والأمن والأمان والرخاء الاقتصادي تحت راية التوحيد. قد يحاول الأعداء التشكيك في نظامنا السياسي الاجتماعي بأطروحات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب باسم الديمقراطية والحرية، وهي كلمة حق أريد بها باطل، يتبعون في ذلك أسلوب تضخيم الأخطاء والتركيز عليها لإقناعنا بالتخلي عن ثوابتنا ونظامنا الذي ارتضيناه وبذل الأجداد دماءهم رخيصة من أجله. سيكون تصديق أكاذيبهم وتحقيق مآربهم غباء سياسيا، بل انتحار، وهو مكر لن ينطلي - بإذن الله - على الشعب السعودي الفطن، وسيظل النسيج السياسي الاجتماعي فخر الصناعة السعودية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي