إذا غاب منا سيد قام سيد
جاء خبر انتقال الأمير نايف بن عبد العزيز إلى جوار ربه صاعقاً ومفاجئاً لجميع المراقبين. هذه المفاجأة عقدت لسان الكثيرين ودفعتهم لتذكر الأمير الفذ الذي كان يمثل الحلم والحسم والحزم والأمن لمواطني المملكة وجاراتها وكل أصدقائها. كان له الكثير من الأيادي البيضاء، وكانت له قرارات كبرى ساهمت في حماية أمن المواطن واستقرار الوطن. الرجل الذي حارب الإرهاب وانتصر، وأحال المملكة إلى واحة أمن وأمان، واستطاع أن يجعل وزارة الداخلية منظومة عالية التجهيز، فيها من الكفاءات والقدرات والتقنية الشيء الكثير.
تمكن خلال فترة قيادته هذا الجهاز الحساس أن يحيله إلى منظومة قادرة على التعامل مع القانون وبالقانون مع الجميع. أمن المواطن والمقيم على أنفسهم، وأمن الوطن على مكتسباته. كان الرجل المتفهم لمطالب المواطن والمتعامل اللبق مع الإعلام، والقائد ذا البأس الشديد مع من تجتمع فيهم النوايا السيئة، مع العمل الإجرامي، والإصرار. كان يعطي كل الفرص من أجل أن يبقى المواطن منتجاً ومفيداً، وعندما يثبت له أنه لا علاج له، فقد كان يعاقبه حتى يكون عبرة لمن يصر على السوء ويروج له.
بدأ برامج المناصحة ومن خلاله عاد الكثير من أبناء الوطن إلى رشدهم. دعم أبناء الوطن المسجونين في كل مكان وطالب بحمايتهم، ووقع اتفاقيات تبادل السجناء التي تعيدهم إلى وطنهم مع دول كثيرة. استعاد الكثير من المواطنين الذين كانوا معتقلين في جوانتانامو وسمح لهم بلقاء أسرهم وأعان الكثير منهم ليعودوا إلى الإنتاج والعمل في الوطن من خلال القروض والمنح والهبات.
شِدةُ الأمير وقوته كانت تظهر أشد ما تظهر عندما يثبت أن المذنب كان يتآمر على وطنه، أو يحاول أن يسيء إلى أمته، بسبق الإصرار والترصد. كان شديداً عندما يحاول أشخاص أو مجموعات أن يجروا الوطن للخطر أو يحاولوا أن يفرضوا قناعاتهم (وهم قلة) على المجتمع بأسره. دعم العلماء واهتم بالدين، وعني بالعلم والثقافة وتطوير قدرات كل الأجهزة التي رأسها.
راقب الجميع أحداث الأحد، عودة جثمان الأمير والصلاة عليه والحزن والألم الكبير الذي كان بادياً على الوجوه. في مواقع أخرى كان آخرون يراهنون على أن هناك فراغاً وإشكالية في التعامل مع وفاة الأمير خصوصاً أنه قبل تسعة أشهر فقط، توفي أخوه الأمير سلطان ـــ رحمه الله. إلا أن الشعب السعودي كان واثقاً بأن الأمور إلى حسم. فالدولة هي دولة مؤسسات وستتعامل مع كل المتغيرات بالحكمة المعهودة، بل وتضع كل السيناريوهات للتعامل مع مختلف الأزمات.
جاء الأمر بتعيين الأمير سلمان بن عبد العزيز في منصب ولي العهد متوقعاً. أسباب كثيرة دعمت هذه التوقعات، فالأمير عايش كلاً من الأمير سلطان والأمير نايف ـــ رحمهما الله ـــ يومياً خلال السنوات الأربع الماضية. الأمير سلمان عايش وتعلم من الملك فيصل والملك خالد والملك فهد ـــ رحمهم الله ـــ والملك عبد الله ـــ حفظه الله. هذا التواصل والعلاقة الحميمة شكلت شخصيته القوية. كان سموه مسؤولاً عن كل أبناء الأسرة وكان المعلم الكبير لهم والموجه والمؤدب كذلك. حب الثقافة والتبحر في التاريخ من أعظم المواهب التي يحتاجها مسؤول في مكان كهذا، ومن مثل سلمان في حب التاريخ؟! ومن مثله في المتابعة الحثيثة لما يحدث كل يوم؟! كنت أراه يناقش الكتاب ويراسل القنوات للتصحيح أو التذكير أو الشكر أو النقد بما لديه من رصيد ثقافي تاريخي وما يميزه من متابعة دقيقة لكل ما يذاع ويكتب.
أما عن القدرة القيادية فهو معروف بقوته في القرار، وقربه في الوقت نفسه من العاملين معه. أهم ما يميز الرجل هو أنه يصنع القادة، فهو يمكِّنهم ثم يدفع بهم لمواجهة الواقع والتعامل معه. فعل ذلك في منطقة الرياض، وهو يمارس عمله في صناعة القادة في وزارة الدفاع وسيظهر من تحت يد الأمير الكثير من القادة في مكانه الجديد.
إن غياب الأمير نايف ـــ رحمه الله ـــ وبرغم حجمه وألمه وحرقته على كل من عمل أو تعامل معه، لا يعوضه سوى معرفتنا أنه خلف وراءه من يتحمل الصعاب ويواجه المواقف الشداد. الأمير أحمد بن عبد العزيز رجل له من الخبرة والمعرفة التراكمية خلال عمله نائباً لوزير الداخلية لسنين تجاوزت 35. كان خلالها نعم المعين والمساعد وها هو اليوم يتقدم ليكون في المكان والزمان خير خلف لخير سلف.
الوطن فقد نايف لكنه ـــ بعون الله ـــ ثم بحماسة سلمان وأحمد سيضمد جراحه وينطلق للأمام، ليبقى وطن الأمن والأمان، ويستشرف التقدم بسواعد أبنائه البررة.