التعاملات الإلكترونية.. الإحصائيات والواقع
وصلتني رسالة عبر الجوال تبلغني أن هناك مخالفة على سيارتي، حاولت أن أتذكر في أي فخ وقعت ومتى وكيف، لم أستطع أن أحدد موقع ونوع المخالفة. اتصلت بالهاتف الخاص بالمخالفات الذي لم يفدني بأكثر من المعلومة التي وصلت بالجوال سوى أن قيمة المخالفة 300 ريال. تأكدت وقتها أن أحد أبنائي هو الذي ارتكب المخالفة، وبدأت عملية تحقيق لاكتشاف الفاعل، وكالعادة تهرب الجميع. قررت أن أذهب لإدارة المرور لأشاهد صورة مرتكب المخالفة، رغم أن مفتاح السيارة كان بحوزتي أغلب الوقت.
عندما وصلت إلى إدارة المرور في المحافظة، أفادوني أنه يمكن أن أحصل على ورقة (برنت) تحتوي على معلومات المخالفة فقط، أما الصورة فليس هناك إمكانية لإظهارها لدى الشعبة. توجهت لقسم الحاسب الآلي، أخذت الـ (برنت). صدمني أن المخالفة كانت في مكة المكرمة التي لم أدخلها منذ نحو سنة. قابلت مسؤول الفصل في المنازعات المرورية، الذي أفادني بأنه يمكن أن يبعث خطابًا لمرور الرياض للحصول على الصورة، توفيرًا للوقت قررت أن أذهب شخصيًّا على قاعدة (ما حك جلدك مثل ظفرك).
توجهت في اليوم التالي إلى الرياض، عندما اكتشف مسؤول حل منازعات المخالفات المرورية أن المخالفة حدثت في مكة المكرمة، طلب مني تعبئة نموذج اعتراض، وأفادني بأنه سيبعث النموذج إلى مرور مكة المكرمة لإرسال الصورة إلى الرياض. سألت الموظف: أليس لديك القدرة على الاطلاع على الصورة هنا؟ نفى ذلك. قلت: هذا يعني أنني سأنتظر لمدة أسبوع للحصول على المعلومة، فاعترض وقال: نحتاج إلى ثلاثة أسابيع لورود الإجابة. المرور يحصل على مراده خلال ساعات، والمعترض يحتاج إلى ثلاثة أسابيع لإثبات براءته، هذا (حشف وسوء كيلة).
تركز خوفي من أن يكتب أحدهم أرقام لوحة سيارتي، ثم أدخل حينها في مصيبة لا يعلم المخرج منها إلا الله. تذكرت أن أحد الزملاء بقي موقوفًا بسبب مشابه لمدة ثلاثة أشهر قبل سنوات. اتصلت بأخي في مكة، الذي ذهب إلى المرور، واطلع على صورة السيارة المخالفة، اتضح أن الموظف أخطأ في أحد الأرقام. كنت أشك في صحة المعلومات التي تقول إن المملكة حققت المركز 41 في التعاملات الحكومية الإلكترونية على مستوى العالم. وبعد هذه (الحوسة) تأكدت أنه لا يمكن أن نكون حتى في الثمانين مركزًا الأول. كاميرا مربوطة بالحاسب الآلي، في إدارة واحدة ولا يمكن أن يتحمل النظام توزيعها على الأقسام التابعة للإدارة، فما بالك بأمور أخرى. اليوم لا يمكن القبول بـ(راجعنا بكرة أو بعد أي فترة من الزمن )، مع توافر الإمكانات والتجهيزات والميزانية المفتوحة لبرامج التعاملات الإلكترونية.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر، قرأت في الصفحة الأولى من جريدة (الوطن) أن المتحدث الرسمي لوزارة النقل نفى أن يكون هناك رقم مجاني يمكن أن يتصل عليه من لديهم شكاوى تخص شركات تأجير السيارات أو سيارات الأجرة، وأن أي شكوى لا بد من معالجتها بالحضور الشخصي لمقر الوزارة أو إداراتها في المناطق، المعلوم أن أغلب مستأجري السيارات أو مستخدمي سيارات الأجرة هم من الركاب العابرين الذين يحتاجون إلى الخدمة- غالبًا- خلال إجازة نهاية الأسبوع. هذا في عام 2012!
لا يوجد ما يبرر (مرمطة) الناس ومطالبتهم بإجراءات تجعلهم يتراجعون عن تقديم البلاغ، ومن ثَمَّ المساهمة في تردي الخدمات. المستفيد الأول من التعرف على المشكلات ومعالجتها هي الجهة التي تنظم وتدير هذه الخدمات، وهي وزارة النقل هنا.
أصبح سرد النماذج والأمثلة عملية مكررة ومملة، لكن قطاعات الخدمة لدينا تضطرنا إلى الرجوع والتحسر. في الأسبوع نفسه الذي حفل بالحادثتين، دعا قائد شرطة دبي مواطنًا سعوديًّا لزيارة دبي واستقبله في مكتبه واعتذر منه على خطأ منعه من دخول الإمارات قبلها بفترة. القضية كلها نوقشت وحلت عبر موقع (تويتر)، غرد المواطن فاستجاب المسؤول، (لا معاريض ولا هم يحزنون). نعم إنها التقنية يا سادة آمنوا بها وطبقوها حتى تضمنوا السمعة الحسنة لدى المواطن والمقيم.
منظومة التعامل مع الاقتراحات والشكاوى لا بد أن تصبح إلكترونية في جميع الوزارات والدوائر الحكومية، بحيث يستطيع مقدم الشكوى أن يرفعها بسهولة وسرعة. النماذج لا بد أن تكون سهلة التعبئة وألا تطالب بمعلومات لا داعي لها. أذكر أن الشكوى المقدمة لهيئة حماية المستهلك في الأردن لا تتجاوز البيانات المطلوبة فيها ست خانات، بينما عندنا تعبئ نموذجًا وكأنك تتقدم للحصول على درجة الدكتوراه، ولزيادة التعقيد يطالبونك بإرفاق ملفات وفواتير لا داعي لها.
التواصل مع مقدم الشكوى أو المقترح ضروري، ويبني علاقة إيجابية يكون فيها المواطن عين المسؤول. أدعو كل المسؤولين في الجهات الخدمية لتقديم دورات لمنسوبيهم في منظومة المقترحات Suggestion Scheme، ومن ثَمَّ يطبقونها لينجزوا مهامهم ويتميزوا في ذلك.