الاحتياطيات المالية والنقدية .. هل من تغيير؟
<p><a href="mailto:[email protected]">fawazhf@hotmail.com</a></p>
ذكر البنك الدولي في تقرير حديث أن فوائض دول الخليج المالية لهذا العام سوف تبلغ نحو 220 مليار دولار، نظرا لارتفاع أسعار النفط لعام 2006. هذا الارتفاع أتى على خلفية مالية مشابهة في السنوات القليلة الماضية. هذه الفوائض تجابه دول الخليج بتحد ترفي فريد فهي من ناحية ظاهرة مالية تمكن دول الخليج من استخدام هذه العوائد لتحقيق رفاه واستقلال مالي وحتى اقتصادي لاحقا، ومن ناحية أخرى تعمق الهوة بين التداعيات المالية المستقبلية الناتجة عن الوفرة المالية أو عدمها وبين الحاجة الماسة الضرورية لإصلاحات اقتصادية جذرية. هذا التحدي الفريد له أبعاد اقتصادية وحتى سلوكية طويلة المدى، ولكن الحديث اليوم عن إدارة تلك الموارد المالية.
في الطفرة المالية الأولى عملت المملكة على إدارة الفوائض المالية كمحفظة مالية واحدة (متنوعة بين سندات حكومية وأسهم وودائع مصرفية) بغرض سد العجز في الميزانية الذي صاحب النزول الحاد في أسعار النفط لعام 1981 ولمدة تقترب من العشرين عاما (إضافة إلى الاقتراض الداخلي من خلال إصدار سندات تنمية حكومية). منذ بداية هذا العقد استطاعت المملكة السيطرة تدريجيا على العجز المتراكم (الدين العام) من خلال التحسن التدريجي في أسعار النفط وانخفاض أسعار الفائدة وتقليص المصروفات الحكومية. وكانت هذه سياسة ضرورية للتعامل مع خطر الدين العام. اليوم نجد أنفسنا في وضع آخر لعلنا نستقي بعض العبر من الماضي وننظر إلى المستقبل بدرجة أعلى من الوعي بعد أن وصل الاقتصاد والإنسان السعودي إلى درجة أعلى من النضوج والتجربة. تؤدي العوائد المالية العامة أفضل النتائج حينما ترتبط بسياسة اقتصادية واضحة، لذلك علينا تلمس مرحلة التنمية الاقتصادية ورفع مستوى الإدارة المالية والاقتصادية في المملكة، وكذلك رفع مستوى التنمية البشرية (القاعدة العلمية ومستوى السعودة الاقتصادي الفعلي وليس الشكلي) لكي نعظم فوائد الاقتصاد السعودي.
نظرا لكبر حجم هذه الاحتياطيات من ناحية وتفاديا لبعض السلبيات في التجربة السابقة يفضل أن تقسم هذه المحفظة إلى عدة أقسام وتدار كل على حدة بعد أن تناقش في عدة دوائر كالمجلس الاقتصادي الأعلى وبعض الفعاليات الاقتصادية في المملكة كالغرف التجارية والمؤسسات المالية وبعض ذوي الاختصاص. لعلنا نراجع تجارب بعض الدول لكي نجد الوسط المناسب لنا حاليا ومستقبليا.
يلجأ بعض الدول إلى الاستثمار في صندوق يسميه صندوق الأجيال القادمة من خلال استثمار طويل الأجل، وأن تكون هذه المبالغ غير متوافرة للميزانية لسنوات عديدة لكي يكون هناك فصل واضح بين السياسات المالية والسياسات الاستثمارية. فالسياسات المالية تعنى بالمصاريف الحكومية والتخطيط لها وما يدور حول إعداد الميزانية من مداخيل ومصاريف، أما السياسات الاستثمارية فإنها تعنى بتأمين دخل في المدى الطويل من مصادر استثمارية غير النفطية، لذلك فالفصل بين الاثنين ذو مغزى اقتصادي إداري مهم، وقد أخذ بهذا الأسلوب في الكويت والإمارات وبعض الدول الأخرى على درجة من النجاح، عدا ما صاحب الصندوق الكويتي من أزمة عابرة أثناء أزمة الغزو العراقي. بينما تلجأ دول أخرى إلى أخذ الاستثمارات إلى مستوى آخر أكثر مباشرة (استثمار داخلي في مجالات تقنية محددة) فنجد سنغافورة مثلا تؤسس شركات استثمارية في عدة قطاعات كان آخرها تأسيس مجمع خاص لتقنية الخلايا الجذعية بعد الجدل الواسع في الغرب حول أخلاقيات هذا النوع من الأبحاث، فبدأت سنغافورة بالترحيب بكل عالم أو مستثمر في هذا المجال الحيوي للمستقبل. لعل الحكومة السنغافورية مثال فريد على تعاون الأجهزة الحكومية مع القطاع الخاص، وهذا يتطلب مستوى عاليا ليس في الإخلاص والتفاني فقط، بل في الكفاءة التي قلما نجدها في الأجهزة الحكومية لدينا، وخاصة المؤسسات الرقابية والتنظيمية، كذلك هناك دول أخرى تأخذ بهذه الطريقة مثل الصين وماليزيا. التجارب السابقة لم تكن كلها نجاحا أو كلها فشلا، ولكن لعلنا نأخذ بمنهج وطريقة أحدث، خاصة أن برنامج خادم الحرمين الشريفين للبعثات سوف يؤهل آلاف السعوديين والسعوديات القادرين والواعين بتجارب الدول الأخرى، سوف يكون خسارة على المجتمع أن تصرف الحكومة مليارات الدولارات والوقت ثم لا يجد هؤلاء المجال والبيئة المناسبين لاستغلال ما تعلموه. هناك مجالات يجب علينا التفرد بالتميز فيها كتحلية المياه والطاقة الشمسية والصناعات البتروكيماوية. في العلم والمال يجب أخذ المخاطرة المحسوبة وإلا لن يكون هناك نمو وتطوير.
نظرا لاختلاف هذه الأهداف ولكي نحققها على درجة من الشفافية والكفاءة يحبذ أن تقسم الاحتياطيات النقدية إلى ثلاثة أجزاء، الأول والأكبر أي نحو (60 – 70 في المائة) من الاحتياطيات المالية يبقى تحت رعاية مؤسسة النقد لتأمين الوضع المالي والنقدي للميزانية ودعم الريال، والجزء الآخر (20 ـ 30 في المائة) لصندوق الأجيال القادمة من خلال الاستثمار في الشركات الواعدة في الأسواق الواعدة وإضفاء مزيد من التكامل مع السياسة الاقتصادية عامة، والجزء الأصغر ولعله الأهم في المدى البعيد (نحو 5 ـ 10 في المائة) في صندوق الاستثمارات الواعدة ويركز على الاستثمار الداخلي في المجالات المهمة اقتصاديا، وعلى أعلى المستويات التقنية ولا يمنع من شراء بعض الشركات الصغيرة في الدول المتقدمة بغرض الحصول على براءة اختراعات معينة أو معرفة تقنية معينة تكمل ما لدينا.
هذه فرصة أخرى لزيادة مساحة الفكر الاقتصادي في المملكة، وقد لا تتوافر في المستقبل؛ ولكن السؤال الملح هو هل سوف تتغلب المصلحة الوطنية العليا على رؤية البيروقراطيين الضيقة في مؤسسة النقد وغيرها من المؤسسات الحكومية؟