رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


كلام جميل لا ينفذ

تعيش المملكة فترة نمو اقتصادي متواصل منذ بضع سنوات. سمى البعض هذه الفترة بالطفرة الثانية، الأولى كانت خلال الفترة من أواسط السبعينيات إلى بداية الثمانينيات من القرن الميلادي السابق.
ما مصدر هذا النمو، والذي سبقه؟ يرجع - بفضل الله- إلى ارتفاع إيرادات الخزانة العامة من النفط، وليس التخطيط التنموي.
وجود خطط تنمية ضعيفة الأثر في إحداث نمو اقتصادي قوي يثير سؤالا عن السبب: ما المشكلة أو ما موضع الخلل؟
هذا السؤال جوهري، ويتطلب خاصة ممن يعنيهم الأمر أولا محاولة الإجابة عنه إجابة مبنية على أساس راسخ، وثانيا الخروج بحلول.
القول الشائع أن العيب ليس في الخطط، لكن في التنفيذ. لو سلمنا بذلك، فإنه مطلوب استكمال الإجابة بمناقشة سبب وجود هذا العيب.
هناك أربع قضايا أساسية أعاقت وتعيق التنفيذ.
هذه القضايا هي الشمول والتفاصيل والإدارة أو الآلية والتقييم.
سأتكلم فقط عن الأولى والثالثة.
الشمول؛ هناك فشل في مناقشة قضايا ومشكلات ذات تأثير في فاعلية ونجاح التطوير والإصلاح، وعلى رأس تلك الموضوعات مواءمة البيئة المؤسسية والقانونية والاجتماعية والسياسية للتنمية الاقتصادية. وهناك مشكلة الفساد الوظيفي أو ما يسمى أحيانا الإداري، التي سأتحدث عنها قليلا.
مشكلة الفساد الوظيفي تتخذ صورا كثيرة، منها تفشي ما يسمى بالمحسوبية، والتصرف في أموال عامة على وجه لا تقتضيه المصلحة العامة، واستغلال النفوذ أو الوظيفة لتحقيق مكاسب شخصية، وسوء تقدير الأولوية في رسم السياسات أو في بعض أوجه الإنفاق، وغير ذلك من الأمثلة.
لا شك في أن تفشي الفساد يؤثر تأثيرا سلبيا بالغا في أي جهد للإصلاح الاقتصادي، لأنه يزيد في ضياع بعض إيرادات الحكومة، ويسهم في تدهور الأداء الحكومي، وفي تأخير إنجاز مصالح الناس، وكل هذا يؤدي إلى إضعاف الاقتصاد شيئا فشيئا مع مرور الوقت.
ولعل لنا عظة في دول جنوب أوروبا كاليونان وإسبانيا. تلك الدول هي أسوأ الدول الأوروبية اقتصادا. وتناولت تقارير عديدة أن من أهم أسباب سوء الأداء الاقتصادي في تلك الدول كونها أكثر الدول الأوروبية فسادا.
وقد أشار تقرير لمنظمة "ترانسبارينسي إنترناشنال" الدولية غير الحكومية صادر في الأسبوع الماضي، إلى أنه "يستحيل نفي العلاقة بين الأزمة المالية في ميزانيات اليونان وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال والمشاكل المتأصلة المتمثلة في غياب الشفافية في مجال النفقات الحكومية فيها وهفوات وسوء استغلال الوظيفة في مجال إدارة شؤون تلك الدول، وهي ظواهر لا تخضع للتحكم ولا يعاقب عليها".
وأوضح التقرير أن ضعف النزاهة لدى ساسة وموظفين كبار ورجال أعمال قد هيأ تربة خصبة للفساد. ويؤكد التقرير أن البزنس الأوروبي يشارك بطيب خاطر في التمويل غير الشرعي للأحزاب السياسية ذات النفوذ ويقدم رشا للحصول على العقود الحكومية، دون أن تتوافر الوسائل والجدية لكشف هذه الوقائع وتقديمها إلى القضاء.
إدارة أو آلية التنفيذ؛ هناك مشكلة آلية أو إدارة تنفيذ للخطط. تعاني الخطط مشكلة ضعف في آليات تنفيذها. ومن مظاهر هذا الضعف رداءة التنسيق بين الخطط والميزانيات العامة.
الوضع القائم (إسناد الميزانية إلى وزارة والخطة إلى وزارة أخرى) لم يصلح ولا يصلح الاستمرار فيه.
ينبغي دمج العملين: إعداد الميزانيات وإعداد الخطط في جهاز واحد، بصفة أن الميزانية هي في حقيقتها خطة لمدة سنة. وينبغي أن يعمل على تحسين أساليب إعداد الميزانية، وإدارة الإنفاق العام.
من جهة أخرى، قد يرى أن من الأنسب إلغاء الخطط الخمسية، والاكتفاء باستراتيجيات طويلة إلى متوسطة المدى لكل قطاع ونشاط يرغب في التأثير عليه من قبل الحكومة، وهذه الاستراتيجيات تقسم إلى مراحل، ليست بالضرورة متساوية المدة، داخل أو بين القطاعات والأنشطة.
باختصار، تبنينا أسلوب التخطيط التنموي منذ عام 1970، وما زلنا نئن من مشكلة تنفيذ ما خطط. هناك خلل في التنفيذ، وأهم أسباب هذا الخلل بنية المجتمع وطبيعة التنظيم المؤسسي القائم. هناك حاجة إلى تبني تنظيم مؤسسي أكفأ، وهذا تحد كبير جدا ماثل أمامنا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي