رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


متى تنتهي أزمة الشغالات؟

بدأ استقدام العاملات المنزليات أو الشغالات قبل أكثر من ثلاثة عقود، أي خلال الطفرة الأولى. ومع مرور الوقت غدا وجود العاملة المنزلية أمراً مفروغاً منه وأصبحت جزءا أساسياً من المنزل السعودي، فقلما تجد منزلاً سعودياً من دون عاملة منزلية. ومع بروز عدد من السلبيات لوجود الشغالات إلا أنه شجع على توسع المنازل، وإكثار الأثاث والحفلات والالتزامات الاجتماعية، وكثرة الإنجاب، كما شجع المرأة على الدراسة والعمل والبحث عن عمل. وبدأت قبل نحو سنتين الدول الرئيسة المصدرة للشغالات بوضع شروط - البعض منها تعجيزي - على كفلاء الشغالات للموافقة على السماح لهن بالعمل، متعذرة بالتجاوزات التي تعرضت لها بعض العاملات المنزليات، لكن غير مكترثة بالمصائب التي تسببت فيها كثير من الشغالات للأسر السعودية العاملة لديها. وفُرضت تلك الشروط ظاهرياً من أجل مصلحة العمالة المنزلية، لكنها في الحقيقة كانت من أجل ابتزاز المواطن وتنفيع مافيات تصدير العمالة.
وردت الجهات ذات الصلة باستقدام العاملات المنزليات بمنع الاستقدام من الدول الرئيسة المصدرة للشغالات، كما طالبت وزارة التجارة مكاتب الاستقدام بالتجمع وتأسيس شركات استقدام كبيرة. وبدلاً من أن تؤدي الإجراءات إلى تأديب الدول المصدرة للعاملات، تسببت تلك الإجراءات في رفع تكاليف الشغالات وفي تقلص أعدادهن، ما أدى إلى معضلات كبيرة لعدد كبير من الأسر. وأدى إقفال باب الاستقدام من الدول الرئيسة المصدرة للعمالة المنزلية إلى شح في عدد العاملات المنزليات، وارتفاع أجورهن بأكثر من الضعف، كما رُفعت رسوم الاستقدام عدة أضعاف. وأضحينا نسمع عن رسوم استقدام أو تنازل عن شغالات تقارب مهور الزواج، متجاوزةً 20 ألف ريال حتى 30 ألف ريال، خصوصاً مع قرب حلول شهر رمضان المبارك. وأدى ارتفاع أجورهن إلى تكون مافيات محلية لتهريب العاملات النظاميات مع انخفاض كبير لفاعلية الجهات المسؤولة في التصدي لهذه المشكلة، وازداد في الوقت نفسه تهريب العاملات المنزليات غير النظاميات عبر الحدود. من جهة أخرى يتم تسريب أخبار عن السماح بالاستقدام من البلد الفلاني والبلد العلاني، وعند محاولة الاستقدام تصطدم الأسر بنوعية العمالة المتدنية وارتفاع تكاليف الاستقدام والبطء في قدوم الشغالات.
ومع اشتداد أزمة الشغالات وعجز الأسواق عن توفير أعداد كافية منهن، استمرت معاناة من يحتاجون إلى خدماتهن، وكثر الحديث عن شركات الاستقدام خلال العامين الماضيين وصرنا نقرأ بين الفينة والأخرى عن تكون شركات استقدام جديدة. ويقوم مروجو شركات الاستقدام كل حين بتسريب بعض الأخبار عن شركات الاستقدام الجديدة وبحملة دعاية لقبولها لدى الأسر، كوصفها بدور المدلل للأسر المتعاملة معها، وأنها ستوفر عمالة منزلية بسرعة ومهنية جيدة، وعلى الرغم من مرور فترة أكثر من كافية لإنشاء شركات ومزاولتها أنشطتها لكننا لا نرى شيئاً في الواقع، فما زالت الشركات تحت التأسيس، ولا أحد يدري متى تبدأ هذه الشركات العمل. ووضعت وزارة التجارة متطلبات وشروطاً لتأسيس شركات الاستقدام، لعل أهمها رفع رأسمال تلك الشركات المطلوب إلى 100 مليون. وأدت متطلبات التأسيس، خصوصاً رأس المال الكبير، إلى خفض كبير في عدد شركات الاستقدام. وتقود هذه الشروط إلى نشوء فساد حول متطلبات رأس المال والشروط الأخرى المصاحبة لتأسيس الشركات، التي سيبادر بعض أصحاب النفوذ إلى استغلال قواهم من أجل تجاوزها. وفي ظل استقدام نحو مليون شخص كعمالة منزلية في السنة، فإن الرسوم المحصلة من استقدام العمالة المنزلية تصل إلى مليارات الريالات، ولهذا يسيل لعاب مافيات العمالة في الدول المصدرة ووسطاء الاستقدام المحليين للسيطرة على سوق استقدام العمالة المنزلية في المملكة. فهل سيؤدي تكون شركات استقدام كبيرة إلى مزيد من الابتزاز للمواطن أم ستسهم هذه الشركات في إزالة مهزلة الشغالات التي تجري في الوقت الحالي، ورفع نوعية العمالة المستقدمة وخفض التكاليف المتصاعدة التي أثقلت كواهل معظم المواطنين. وليس من المتوقع أن تنجح هذه الشركات في إزالة المهزلة الدائرة في سوق الشغالات بالسرعة الكافية، ولا أن تتسبب في تراجع تكاليف استخدام العمالة المنزلية كما يتصور البعض، أما نوعية العاملات المنزليات فمن المستبعد تحسنها لأن الكفاءات نفسها التي تدير مكاتب الاستقدام السابقة ستدير الشركات الجديدة، مع دخول بعض أصحاب النفوذ إلى نشاط الاستقدام. لقد واجه كثير من الأسر التي هي في أمس الحاجة إلى عاملات منزليات خيبة أمل كبيرة، من كثرة التسويف في حل معضلة استقدام الشغالات، حتى بدأ كثير منها يشكك في جدية الجهات المسؤولة حول حل هذه الأزمة. فهل سينتهي عصر الشغالات، الذي بدأ في الطفرة الأولى خلال الطفرة الثانية التي نعيشها الآن؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي