رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المجالس البلدية .. الرؤية أولا

<p><a href="mailto:[email protected]">aashiha@yahoo.com</a></p>

لقد كنت في غاية السعادة والنشوة وأنا أحضر اللقاء الثاني لمجلس أمانة حاضرة الدمام، فها نحن سكان حاضرة الدمام، وكما بقية سكان المدن السعودية الأخرى تتاح لنا الفرصة لممارسة بعض حقوقنا في المساءلة والاستفسار والتصريح بآرائنا وأفكارنا ومشاكلنا، وأن هناك من يحتم عليه النظام والرأي العام فتح الحوار والنقاش مع عموم السكان. لقد كان اجتماعا مفتوحا شفافا ليس فيه مجاملات ولا محاذير ولا تحفظات. أُعطي الجميع فرصا متساوية لإبداء آرائهم فكان الحماس والاندفاع وتداخلت الآراء، وأثري النقاش وكان التعبير عن التأييد تسمعه بالتصفيق مدويا في أرجاء الصالة التي اكتظت بالحضور وتارة كلاميا عبر المذياع الداخلي دون خجل أو وجل. إنه جو مفعم بالحرية! جو يسمح بالتعبير عما يجول في الخاطر وما يحسونه فكان متنفسا لما يختلج في النفس وما يعتلج في الصدر وما يدور في الذهن. إنه وللمرة الأولى تتاح الفرصة للحديث عن أحلامهم وأمنياتهم حول مدينتهم واحتياجاتهم ورغباتهم. أخيرا صار لديهم إحساس بتملك المشكلة والاهتمام بأمر مدينتهم، فقد أصبحت بحق مدينتهم بعد أن أصبحوا فاعلين في عملية اتخاذ القرار. إنه لشيء حضاري أن تكون هناك آلية للتعرف على ما يدور في أذهان الناس وأن تحل الاختلافات في صالات الاجتماعات ونخرج بصيغ توافقية ترضي جميع الأطراف فيغدو القرار قرارا للجميع يدفعهم نحو البذل والعطاء. لقد انتابني شعور لا أستطيع وصفه وأنا أشهد هذه النقاشات والمداولات بين الحضور وأعضاء المجلس البلدي بكل تقدير واحترام متبادل، لكن لا تنقصه الصراحة والشفافية. إنها العملية السياسية في الوصول إلى القرار العام، قرار نابع من قبل الناس ومن أجل الناس، فلا غرو أن يقبلونه ويتحمسون له. إن أعظم شعور في العالم أن تشعر أنك مهم وأنك تستطيع التعبير عن رأيك، وأن هناك من يود سماعك ويقدر رأيك ويحقق رغباتك أو على أقل تقدير يعمل جاهدا من أجل ذلك. إن المجلس البلدي يعد بحق نقطة انطلاقة جديرة بالاهتمام والرعاية والتطوير والارتقاء بها نحو مستويات أعلى من المشاركة الشعبية. المجالس البلدية هي حلم يتحقق حتى مع ضيق نطاق الصلاحيات والأدوار، إذ تمثل بداية لمفهوم جديد في عملية صنع القرار المحلي.
ومع الاعتزاز بهذه التجربة الجديدة، تبقى تجربة يعتريها القصور والأخطاء ولا بأس في ذلك، فهو السبيل للتعلم وبناء الخبرة. إلا أن هناك أساسيات في العمل النيابي يجب مراعاتها لضمان الوصول إلى النتائج المطلوبة. هذه الأساسيات تشكل الهيكل والإطار العام الذي يسير العمل ويوجه الجهود والطاقات. بشكل أكثر تفصيلا يلزم المجلس البلدي تحديد الرؤية المستقبلية والأهداف الاستراتيجية، ومن ثم السياسات المرحلية والخطط التنفيذية التي تقود نحو تحقيق الهدف الاستراتيجي.
ما أدهشني في اجتماع المجلس البلدي أنه لا توجد رؤية ولا تحديد للمهمة ولا الاستراتيجيات التي ستتبع. بمعنى آخر التوقعات غير واضحة حيال ما يجب عمله وما يحاول المجلس تحقيقه. لذا فقد كان هناك تضارب في الآراء وسوء فهم واختلاف بين أعضاء المجلس أنفسهم من جهة وبينهم وبين الحضور من جهة أخرى. إذ إن عدم وجود أرضية ينطلق منها العمل المشترك يؤدي إلى فشل المشروع التنموي المحلي. لقد أسهب المجلس في حديثه عن الجزئيات والإجراءات الروتينية دون ربطها بالتوجهات العامة المستقبلية، وفي ظني أنهم بتناولهم الموضوعات بهذه الطريقة خلطوا أولويات العمل ووضعوا العربة أمام الحصان! إذ إن متطلبات أي عمل تقتضي مسبقا وضع الأهداف التي تحدد ماذا نريد أن نحققه وتطلعاتنا المستقبلية. هذا ما كنت أتمناه على المجلس طرحه على جمهور الحاضرين حتى تتبين رؤى وتوجهات أعضاء المجلس، وإذا ما كانت تتوافق مع تطلعات وطموحات السكان، ومن ثم تتم مناقشتها وتداولها حتى الوصول إلى صيغة توافقية تكون بمثابة العقد بين المجلس وسكان المدينة، على أساسه يقيم عمل المجلس ويقاس أداؤه أثناء دورته وبعد انتهائها. لقد حان الوقت لتحقيق مفهوم أن المدينة هي البيت الكبير ولا نستطيع أن نتخيل العيش دون تخطيط مستقبلي ووضع أهداف نسعى إلى تحقيقها بشراكة حقيقية.
هناك أمر آخر على قدر كبير من الأهمية، وهو أن على أعضاء المجلس تبني فلسفة إيجابية ومبادرات شجاعة تتضمن البحث عن الإمكانات والفرص واستثمارها، بدلا من الحديث عن المعوقات وما لا يستطيعونه، وندب حظهم وتحميل الآخرين تبعات سلبيتهم، فهذا في الحقيقة أمر مثبط للهمم والعزائم، ولا يؤدي إلى تطوير الإجراء السياسي والارتقاء بالعمل الحكومي. إن أسهل شيء يمكن عمله هو التوقف عن العمل بإيجاد الأسباب والعلل التي تعوقه. إن الفرصة مهيأة لأعضاء المجالس للعب دور حيوي ومؤثر من خلال الصلاحيات والأدوار الحالية، والتي من أهمها المصادقة على المخططات والميزانية والحساب الختامي. إن هذه من أهم أدوات اتخاذ القرار التي يمكن من خلالها توجيه التنمية الاقتصادية المحلية بشكل فاعل وكبير. ولذا كان من المستغرب ألا تعرض خريطة لحاضرة الدمام تبين مناطق التنمية وتوجهاتها، وتبعات ذلك الإيجابية والسلبية والرؤية المستقبلية لاستخدامات الأراضي وأولويات المشاريع وتوزيعها المكاني والتأثيرات البيئية للتنمية، والبدائل المتاحة والتكاليف المتوقعة، وكذلك السياسات المرافقة لهذه الخطط، وكيف تسهم في إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية كالفقر والبطالة والمخدرات. كل ذلك بطريقة غير مباشرة من خلال المخططات واستخدامات الأراضي، إذ إن لها تأثيرا كبيرا على كثير من القضايا في المدينة اقتصاديا واجتماعيا.
إن الفرصة مهيأة كذلك للمجلس لأن يكون نقطة انطلاق للعمل الحكومي المشترك لجميع القطاعات، حتى في ظل اقتصار دوره على المجال البلدي. فباستطاعة المجلس وضع استراتيجية يتم الاتفاق عليها مع جميع القطاعات الحكومية وغير الحكومية والخاصة. وستكون هذه الاستراتيجية الضالة التي ننشدها في إدارة المدن، وستغطي إلى حد كبير القصور الناتج عن عدم وجود هيئة محلية تعنى بعملية صنع القرار المحلي لجميع القطاعات في المدينة. إن من شأن هذه الاستراتيجية المحلية تسهيل التنسيق بين الجهات المختلفة والتعاون، فيما بينها وإيجاد صيغة مشتركة تأخذ شكل وثيقة تدفع بالجهود إلى التنمية المحلية وأهداف مشتركة محددة بدلا من حرص كل قطاع على تحقيق أهدافه دون الالتفات إلى الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للمدينة. إن هذا يحتاج إلى رؤية مشتركة تحدد كيف ستكون عليه حاضرة الدمام في المستقبل وماذا علينا فعله لتحقيقه.
إن لدى المجلس البلدي إذا ما أراد تحقيق نجاحات فرصة كبيرة في الاستفادة من الموارد المحلية وتحريكها نحو الأهداف الاستراتيجية. وأعتقد أن هذا من أهم الأدوار غير المعلنة للمجلس، وإذا ما استطاع عرض برنامج تنموي متكامل يقنع الآخرين بالإسهام به فسيكون قد حقق نجاحا كبيرا. إن هناك هوة كبيرة بين الفاعلين في الشأن المحلي يستطيع المجلس لعب دور في تقليصها بتبني مشاريع مشتركة تعود بالنفع على الجميع بدلا من هذا التشرذم والتنافس المحموم في تحقيق المصالح الضيقة وانعدام الرؤية الجماعية.
من الأمور التي كنت أعتقد أنها ستستحوذ على اهتمامات المجلس هو إنشاء مركز للمعلومات والعلاقات العامة للتواصل مع عموم السكان بشكل مستمر وإفادتهم عما تم إنجازه. بل كان من المتوقع تسخير تقنية الاتصالات في تفعيل الحكومة الإلكترونية والمجتمع المعرفي والمواطن الالكتروني e-Citizen، وجعلها في خدمة سكان المدن، بحيث يكون هناك اتصال دائم بين أعضاء المجلس والمواطنين، ليس بغرض فقط التعرف على مشاكلهم ولكن أيضا لسماع آرائهم ومقترحاتهم، ومحاولة تضمينها الخطط المستقبلية للمجلس. إن من شأن ذلك زيادة المشاركة الشعبية في عملية اتخاذ القرار، وهو الهدف الرئيس من وراء تفعيل المجالس البلدية. من هنا تلوح الحاجة إلى تطوير القيادات المحلية ورفع القدرات في الأجهزة الحكومية لتمكينها من وضع الاستراتيجيات المطلوبة وتحويل تطلعات السكان إلى برامج تنموية تلبي احتياجاتهم ورغباتهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي