كلهم في الهَمِّ غربٌ
''الديون هي عبودية الأحرار''
ببليليوس، كاتب وفيلسوف روماني من أصل سوري
المكان: منتجع ''كامب ديفيد'' في الولايات المتحدة الأمريكية. المناسبة: قمة مجموعة دول الثماني. مع نظرة ازدراء ثاقبة ''محترمة''، صافح الرئيس الفرنسي الجديد فرانسوا هولاند جاره رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون. كان يريد أن يقول له: كيف تتجرأ وترتكب خطأً، لا يرتكبه إلا القادة الأغبياء، أو في أفضل الأحول.. الهواة، عندما أعلنت ''رسميًّا'' تأييدك ودعمك العاطفي لغريمي في الانتخابات نيكولا ساركوزي؟ عرفت مبكرًا أنك لا ترغب فيَّ رئيسًا لفرنسا، وإلا لكنت استقبلتني كزعيم للمعارضة في بلادي، وفق ما هو متبع عندكم، عندما زرت بلادكم. ليس مهمًّا ماهية رغبتك، فالشرعية لا تكون منك، بل هي من صنع الفرنسيين أنفسهم. يا جاري كاميرون، لماذا نسيت ما قاله بوب ديلان في إحدى أغنياته الشهيرة ''لا تتحدث مبكرًا، بينما العجلة تدور. فالخاسر الآن قد يكون الفائز لاحقًا''؟! أحسب أنك عشت شيئًا من أجواء شعره في ستينيات القرن الماضي.
كان هولاند يريد أن يقول: يا ''مستر'' كاميرون، لا معنى لتبرير، ربما ترغب في إخراجه، كما لا معنى لأن أستمر فيما أقوله لك. الشيء الأهم الآن وغدًا، هو كيفية تنفيذ خطة إنقاذ، تسمح لقارتنا (أوروبا) أن تتنفس ''تحت الماء'' دون أن تغرق. لنتمسك بالشطر الأول من بيت نزار قباني الشعري، ولندع العشاق يغرقون، فنحن لسنا منهم. أضف إلى ذلك، أننا لا نتمشى في طريق العشاق هنا. نحن في ''كامب ديفيد'' وأنت تدرك (بالتأكيد) ما ''كامب ديفيد''. نحن نريد حلاًّ جامعًا لكارثة ومصيبة وَهْمِ الديون، لا حلاًّ منفردًا كما حدث في المكان نفسه في سبعينيات القرن الماضي. علينا أن نستغل وجود رئيس أمريكي، اعتبر الإشراك آلية من آليات الحلول، لكل المشاكل الاقتصادية والسياسية أيضًا. دعك من جيمي كارتر الذي كان يريد حلاًّ بأي صورة، ولنترك بيل كيلنتون الذي رغب في الحل بأفضل الصيغ، وبالطبع دعنا من جورج بوش الابن، الذي سعى لحل ''مُمشكل''، لتلك القضية العربية المحورية، المنزوية في أحد أركان ''كامب ديفيد''. بالمناسبة يا ''مستر'' كاميرون هل عثرت عليها في نزهتك الصباحية (أو المسائية) هنا؟ لقد فشلت وفريقي في تحديد مكان اختفائها.
كان هولاند يريد أن يقول: يا رئيس وزراء حكومة ''الرأس ونصف'' في بريطانيا، اعذرني، ما كان عليَّ أن أستعيد في ''كامب ديفيد'' حتى ذكريات المنتجع؛ لأننا في مصيبة حقيقية، تجعلنا أصغر مما كنا، تعيدنا صفًّا أو صفين (أو ربما ثلاثة صفوف)، في كل القاعات التي تصدرنا مقاعد الصف الأول فيها، على مدى أكثر من ستة عقود، وقبلها قرون بأشكال مختلفة.. احتلال، انتداب، وصاية، علاقات خاصة جدًّا. لنترك الذكريات، إلى ما سيصبح ذكريات حاضرة إلى سنوات (بل عقود). لقد أتينا إلى ''كامب ديفيد'' ويستحق على اتحادنا (الاتحاد الأوروبي) 11 ألف مليار دولار أمريكي، لا زيمبابوي ولا إكوادوري ولا فيجي. عذرًا لقد أخطأت، هذه الأموال الهائلة هي ديون على دول منطقة اليورو، وليس الاتحاد، ولكن أليست بريطانيا (غير ''اليوروية'') مدينة بأكثر من 1500 مليار دولار أمريكي؟ إذن.. كلنا في الهم غرب.
كأن هولاند يريد أن يقول لـ''المستر'' كاميرون: ألم تقف ضد صديقك (ساركوزي) الخاسر أمامي، عندما طرح وزملائه الأوروبيين خطة الضبط المالي، من أجل المساعدة في تخفيف جبال الديون عن منطقة اليورو خصوصًا والاتحاد الأوروبي عمومًا. لا غرابة إذن، في وقوفك ضد فرض ضرائب على التحويلات المالية، من أجل تحقيق الهدف نفسه. ألم تهدد باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد فرض ضريبة كهذه في مختلف أنحاء أوروبا؟ لقد ذكرتني بفلاديمير بوتين الذي يرفع سيف الفيتو الروسي في مجلس الأمن، من أجل حماية سفاح سورية بشار الأسد، مع اختلاف الحالة طبعًا، ومع اتفاقنا (ربما الوحيد) على همجية هذا السفاح. كأن هولاند يقول لكاميرون: كنا جميعًا في سفينة واحدة لا تقهر، تصارع الأمواج مهما علت.. تكسرها على جوانبها، لكننا في ظل مصائبنا الاقتصادية - المالية، أصبحنا في قارب، لا يصمد أمام موجة ''لطيفة'' واحدة. وعندما ''يتعولم'' الهَم، لا معنى للوطنيات، فكيف الحال والهَم محصور بصورة لا تشبهها أخرى في قارتنا؟! عليك ألا تنسى، أن قادة هذه القارة الذين ''تواجدوا'' في الأزمة الاقتصادية العالمية، سقطوا الواحد تلو الآخر، وكان آخرهم صديقك ساركوزي. حسنًا، لم تكن منهم، ولكن لا غرابة في أن تنضم إليهم، ومعك من؟ معك أنا شخصيًّا.
كأن هولاند يريد أن يقول لكاميرون: لم نرتكب الأزمة الكبرى، ولكن قبلنا أن نرثها. دعك من الحب الغائب والمودة المفقودة بيننا. ورغم أنك لست ''ثاتشريًّا'' – نسبة لمارجريت ثاتشر - تمامًا، إلا أنك لا تزال تؤمن بأن إنقاذ الدول من أخطاء كارثية ارتكبتها حكوماتها، يبرر عصر مواطنيها معيشيًّا. لكنني أرى عكس ذلك. علينا أن نعصر الحكومات، ونخفف عن الشعوب. يكفي أن مواطنينا يسددون فواتير ''سلع'' قاتلة، لم يشتروها أصلاً.