رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


متى يصبح المريض أولاً؟

كتب وزير الصحة عن أهمية العناية بالمريض كأولية قصوى في اهتماماته كمسؤول، المقال كان بعنوان: لماذا المريض أولاً ؟ وهي من الأدبيات التي يحاول المسؤولون في الوزارة تعميقها، وجعلها أهدافا لكل خطط الوزارة. إلا أن الواقع المرير لا يؤيد ذلك.
تنفق الدولة مبالغ ضخمة لضمان تقديم خدمات صحية رائدة للمواطن. تحمل كل ميزانية جديدة إضافات رقمية، لكنها لا تظهر على شكل خدمات فعلية يشعر بها المريض. ميزانية الخدمات الصحية في المملكة لمختلف القطاعات تتجاوز 50 مليار ريال سنوياً. بما يعني أن الدولة تنفق ما يقارب ثلاثة آلاف ريال لكل مواطن على خدمات تسوء عاماً بعد آخر، وتنفذ من خلال مجمعات طبية ومستشفيات ومراكز صحية أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها لا تقارن بمستوى الدخل والوضع الاقتصادي للدولة.
يحتاج المريض اليوم إلى ''واسطة'' ليتمكن من الحصول على موعد مع طبيب استشاري أو إخصائي. يقف المرضى في طوابير طويلة للحصول على الفحوص المتخصصة، بل إن الكثير يضطرون لتنفيذ هذه الفحوص في مستشفيات خاصة، لا تعادل إمكانات الواحد منها 10 في المائة من إمكانات أو ميزانية المستشفى المجاور الذي يتبع وزارة الصحة.
أما عندما يصل الأمر إلى الحصول على سرير للتنويم فهذه قضية أخرى، يمكن أن يبقى المريض في غرف الطوارئ أو ممرات المستشفيات لمدد تصل إلى ثلاثة أسابيع في بعض الحالات. ثم يشارك ستة أو ثمانية مرضى في غرفة واحدة، أما العناية المركزة فهذه هي المستحيل بعينه.
تبدأ بعد ذلك رحلة البحث عن الدواء. رغم أن الدولة تنفق المليارات في بند الأدوية والمستلزمات الطبية سنوياً، لا يجد المريض أغلب الأدوية إلا في الصيدليات الخاصة. مع أن حجم الاستثمار في كل الصيدليات الخاصة لا يقارن بحجم إنفاق الوزارة في سنة واحدة على الدواء، فأين يذهب الدواء بالله عليكم؟
قضية جديدة لاحظتها عندما كانت والدتي ــــ غفر الله لها ــــ ترقد في المستشفى، وهي صعوبة مقابلة الاستشاريين المتخصصين في تخصصات عادية. تخيلوا أنه لا يمكن أن تقابل استشارياً إلا إذا سمح برنامجه الشخصي، ويرقد في المستشفى مرضى ينتظرون طلة طبيب عظام أو باطنية البهية، لكنها لا تحصل.
يستطيع أي شخص أن يقارن نوعية الخدمة المقدمة في المملكة مع جاراتنا خصوصاً دولة الإمارات. ويستطيع من سافر لأوروبا أو أمريكا أو شرق آسيا، أو اطلع على أنظمة الضمان الصحي المعتمدة هناك، أن يؤكد لكل من يعمل في المجال الطبي أن هناك طريقة أخرى أفضل وأنجع وأضمن لصرف المال العام في خدمة المواطن وتحقيق أهداف الدولة. ما تبذله الدولة في سبيل تقديم الخدمات الصحية أوجد بنية تحتية تتجاوز قيمتها الإجمالية ثلاثة تريليونات ريال. تستمر الدولة في الإنفاق، ويستمر الهدر، وتستمر شكوى المواطن من سوء الخدمات الصحية واكتظاظ المستشفيات.
خفض التكلفة مع تحسين الخدمة في الوقت نفسه ممكنان من خلال التخصيص المنضبط بقوانين وتشريعات رقابية تضمن أن تكون مصلحة المواطن هي الهدف. هذا مبني على مفهوم أن القطاع العام يشغل نفسه بالبيروقراطية أكثر من جودة الخدمة وكفاءة الأداء، وهو مفهوم أثبت صحته في كل دول العالم.
ينفذ عملية الخصخصة هذه، فريق لا علاقة له بالوزارة. فريق تقني إداري ''مستورد'' مع احترامي لكل المواطنين الذين يعملون في القطاع العام. السبب المهم هنا هو مقاومة التغيير. فعندما يعيش الإنسان لمدة تتجاوز 70 عاماً في إطار معين، حتى ولو كان سجناً، فإن طبيعته البشرية تجعله يتمسك بالوضع القائم. من هذا المنطلق أقول: لا تتوقعوا أن يخصص القطاع العام نفسه أبداً.
وزارة الصحة مثال واضح فهي تخطط لتطبيق التأمين التعاوني أو الضمان الصحي عام 1440هـ، من خلال عملية بيروقراطية طويلة قد تتحول إلى ما يشابه (خصخصة الخطوط السعودية)، التي نسمع عنها منذ عام 1393هـ.
لهذا أدعو إلى تخصيص وزارة الصحة من خلال خطوات يمكن أن تكون كالتالي:
1- يتم التعاقد مع شركة استشارية خبيرة في مجال التخصيص، من قبل جهة خارج الوزارة. هذا يمكن أن يوجد هيئة عليا لتخصيص القطاع العام.
2- يقدم الاستشاري تقريره عما يمكن تخصيصه من قطاعات الوزارة وأولويات التخصيص، والإطار الزمني.
3- يتم التخصيص من خلال بيع الأصول الثابتة التي تخص الوزارة لشركات طبية كبرى.
4- تقوم الدولة ''من خلال استشاري التخصيص''، بالتفاوض مع شركات تأمين كبرى وليس بالضرورة العاملة حالياً في المملكة، حيث يمكن أن تشارك في المفاوضات أي شركات عالمية تكون ذات خبرة وسمعة مميزة.
5- يتم التأمين على كل المواطنين سواء مع شركات مستقلة أو مع تحالفات شركات كبرى.
6- يفتح المجال أمام الشركات الطبية الكبرى لفتح مستشفيات أو شراء المستشفيات القائمة. يشترط أن يكون في كل مدينة ما لا يقل عن مستشفيين يقدمان الخدمات الصحية من جميع المستويات. يسمح للمواطن بالتوجه لأي مستشفى يرغب في العلاج به. بما يضمن أن تعمل المستشفيات على تحسين خدمتها لضمان ربحية أعمالها.
7- يشترط على الشركات والمستشفيات العاملة في المملكة إعطاء أولية التوظيف للكوادر الصحية السعودية من مختلف التخصصات.
8- تقوم الوزارة بإدارة مراكز الرعاية الصحية الأولية حتى يصبح من الممكن تخصيصها حسب الإمكانات المتوافرة والقدرة المالية للشركات.
نحتاج إلى تحرك سريع لا تتجاوز مدته أعوام الخمسة، لتحقيق رؤية خادم الحرمين الشريفين في إسعاد وخدمة المواطن، ما دام الوضع الاقتصادي مستقراً. عندها يمكن أن نقول إنه ''في المملكة، المريض أولاً ''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي