هل تحب التفاحة؟ قل إن شاء الله
التعامل مع الأطفال يجب أن يكون بحذر، ذلك أننا نشوِّه ومن دون قصد مفاهيم كثيرة عندما نتعامل معهم، مفاهيم قد تؤثر في حياتهم بشكل جوهري، فمثلاً عندما يطلب الأطفال شيئًَا لسنا على استعداد لتلبيته حالاً، فإننا نقول لهم: ''إن شاء الله''، لذا يرتبط هذا المفهوم السامي عندهم بالتأخير الطويل أو بعدم تنفيذ الطلب، لذا أصبح الطفل يتشاءم من هذه العبارة بدلاً من أن تكون مصدرًا للسعادة والأمان، وما ذلك إلا بسبب استخدامنا السيئ لمعانيها.
مثال آخر؛ عندما نقدم تفاحة للطفل الذي بالكاد بدأ يعبر عن مشاعره، ثم نسأله: هل تحب أن تأكلها؟ إن ما يفهمه الطفل كلما تكرر هذا السؤال هو أن عليه أن يجد شيئًا لا يحبه لخبرنا به. كلما وعدتنا المؤسسات الحكومية بمشروع وأضافت عليه كلمة خطة استراتيجية شعرت بما يشعر به الطفل إذا قيل له: إن شاء الله.
قبل أيام، فرحنا بخبر مشروع تطوير النقل العام داخل المدن، والحقيقة أنني أصبحت قلقًا - نوعًا ما - لما أضيفت إليه عبارة ''بعد استكمال الدراسات''، ذلك أنها تذكرني بمفهوم التخطيط الاستراتيجي الذي دأبت مؤسساتنا على ترديده في السنوات الأخيرة، وارتبطت صورته معنا بمناقصات لإعداد الخطة وشركات دولية وخبراء في فنادق الخمس نجوم. اجتماعات تليها اجتماعات، وبعد سنة أو سنوات تظهر لنا أشكال أقرب إلى الفن التشكيلي منها إلى التخطيط، ثم عبارات رنانة نراها معلقة كنجوم السماء، الكفاءة في كذا، والتوازن في هذا، والعمل الدؤوب في ذاك.. كيف نحقق هذه المسماة كفاءة؟ الخطة الاستراتيجية لا تخبرك، كيف نصل إلى التوازن والعالمية والريادة وغيرها، الخطة تصمت كصمت جارة امرئ القيس.
أهداف معلقة في السماء يقرأها الموظفون، لكن لا أحد منهم يعرف غدًا، عندما يخرج من بيته، ماذا عليه أن يفعل أكثر مما يفعله اليوم، لا الخطة الاستراتيجية ولا الخبراء الاستراتيجيون يخبرونه عن هذا. وعندما تطبع هذه الخطة وتوضع صورها في مداخل المؤسسات مع عبارة الرؤية والرسالة، يبقى الموظف هو الموظف، وعمله بعد الخطة كما كان قبلها. نكتشف بعد مدة أننا نحتاج إلى شركة أخرى تطور لنا خطة أخرى تسميها الخطة التنفيذية، وفي أحسن أحوال هذه الخطة الثانية أن يعرف المدير ماذا يجب عليه أن يخبر الموظفين عندما يسألونه عن معنى كلمة كفاءة، وفي بعض الحالات ''التي تصيبك باليأس'' عندما يصاب الموظفون بالإحباط كلما اجتمع بهم المدير ليخبرهم بأهمية العمل بكفاءة أكبر ''وذلك على الرغم من أنهم وبعد كل تلك الخطط والخبراء يرون أنفسهم يقومون بالأعمال نفسها التي مارسوها قبل الخطة، وكل ما فهموه من كل تلك الخطط أن عليهم أن يلتزموا أكثر بفعل ذلك''.
دراسات وخطط أصبح معناها أن يأتي الخبراء خلسة لمقابلة المدير المسؤول وبعض من يريد المدير أن يقابلوه، ثم يذهبون خلسة كما جاءوا ويسمع بهم المجتمع، لكنه لا يراهم، وفي أحسن الأحوال يمكن الحصول على صورهم عند توقيع العقود أو تسليم الخطة. ولعل هذا أكثر ما يرعبنا من كلمة الخطة الاستراتيجية؛ لأننا بدأنا نعتقد كمجتمع أنها خطة علينا لا لنا، ولهذا علينا ألا نلوم أولئك الذين يؤمنون بالمؤامرة التي تحاك ضد الأمة كلما سمعوا كلمة خطة.
إن التخطيط الاستراتيجي الذي لا يأخذ معه رأي المجتمع، وماذا يريدون من المشروع، وكيف هي علاقتهم به وعلاقته بهم. إن مشروعًا لا يفهم المجتمع ولا يفهمه المجتمع ستكون مشكلاته – حتمًا - أكبر من منافعه، التخطيط الجيد لأي مشروع يستلهم خدماته من احتياج المجتمع وطبائعه ''التي يعبرون عنها بأنفسهم''، يستلهم نفسه من جميع شرائح المجتمع وليس من فئة دون أخرى، وليس لأحد الحق في مصادرة هذا على أساس أنه أعرف بنا من أنفسنا أو أنه أكثر غيرة منا علينا.
لا تتجاهل خططنا الاستراتيجية المجتمع، بل الأدهى أن تتجاهل منسوبي الجهة الخاضعة للتخطيط، تتجاهل همومهم، تتجاهل خططهم ومستقبلهم، لذا يصبحون بعد الخطة الاستراتيجية أكثر غربة عن المجتمع وعن مؤسستهم. من أجل هذا كله ارتعبت من عبارة ''دراسات'' التي صاحبت خبر مشروع النقل العام داخل المدن، وكلي أمل- فقط- أن يخيب هذا المشروع ظني كما هو أمل كل طفل يسمع من والده كلمة إن شاء الله، وبينما يلح الطفل في رفضه كلمة إن شاء الله كرد على طلباته، يلح الأب في سؤاله لماذا لا تحب التفاحة؟ فلا الطفل فهم لماذا يقول أبوه: ''إن شاء الله''، ولا الأب فهم لماذا لا يستطيع ابنه أكل التفاحة.