رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


رحلة عذاب «عذيب» .. من الشك إلى الشك

كلما نظرت في السوق المالية، وكلما تابعت حركة الأسهم لعدد من الشركات أسأل عن الأسباب الحقيقية التي تقف خلف تقييمها برغم المعلومات الخطيرة المتوافرة عنها، وهو الأمر الذي يجعلني أقول لبعض صغار المستثمرين (ارحم نفسك).
قبل عام تقريبًا أعلنت هيئة السوق المالية تعليق التداول على سهم شركة اتحاد عذيب، بعد أن أعلنت نتائج أعمالها التي تضمنت خسائر كبيرة، وأصدر مراجع الحسابات في ذلك الحين تقريرًا يتضمن ''الشك'' في قدرة الشركة على الاستمرار إن هي فشلت في الحصول على تمويل جديد (وللعلم فإن هذه أخطر معلومة يمكن أن يصل إليها مراجع ثم يصرح بها).
لقد كانت أكبر المخاطر المالية التي واجهت الشركة أن قيمة الالتزامات المتداولة (أي تلك الديون التي يجب سدادها خلال سنة) (بلغت 1367 مليونا) تتجاوز قيمة الأصول المتداولة (وهي النقدية بأنواعها وجميع ما يمكن تحويله إلى نقد خلال عام) (بلغت 156 مليونا فقط)، وبذلك فلا يمكن للشركة تسديد جميع هذه الالتزامات خلال عام واحد إلا بأحد أمرين: أولاً؛ إعلان الإفلاس وبيع الأصول الثابتة وتسديد الدين. الثاني؛ إيجاد مخرج سريع من خلال الحصول على النقد بدين جديد، أو إعادة جدولة هذه الالتزامات بشروط جديدة، أو الحصول على تمويل رخيص من سوق الأسهم (الاكتتابات). قررت إدارة الشركة أخذ المسار الصعب، وذلك بالحصول على تمويل جديد من سوق الأسهم لسداد تلك الالتزامات. المشكلة أن إيقاف التداول قد أحرج الشركة كثيرًا؛ لذلك وللعودة إلى التداول بدأت رحلتها بتخفيض رأسمال الشركة، ثم ترتيب الاكتتاب لزيادة رأس المال الذي كان الهدف الرئيس منه هو سداد المطلوبات المتداولة حالاً حتى تستطيع الشركة البقاء.
وفقا لنشرة الإصدار وقبل الاكتتاب فإن الموجودات المتداولة بلغت 156 مليون ريال، والموجودات غير المتداولة بلغت 1803 ملايين ريال (أي أن إجمالي الموجودات بلغ 1960 مليونا تقريبًا). المنطقي دائمًا أن يتم تمويل هذه الأصول التي تعمل بها الشركة من المساهمين بأنواعهم والدائنين، على أن تأتي النسبة الكبرى من المساهمين (أي حقوق الملاك). لكن الديون بلغت 2012 مليونا، (المطلوبات المتداولة 1367 مليونا، والمطلوبات غير المتداولة بلغت 645 مليون ريال)، وبذلك فإن الديون تغرق كل موجودات الشركة وتزيد عليها بـ 52 مليون ريال، ولم يعد لرأس المال وجود. والسؤال كيف حدث هذا؟
مشكلة شركة اتحاد عذيب بدأت عندما فشلت الأصول في إنتاج إيراد يساهم في الاستمرار في تقديم الخدمة (دائمًا تعلل الشركة ذلك بعدم تمكينها من الوصول السهل للعملاء)، فضلاً عن سداد الالتزامات وفوائدها، ناهيك عن دفع فوائد رأس المال. لقد كانت الإيرادات وفقًا للسنة المنتهية في 31 آذار (مارس) 2011 (186 مليونا فقط)، بينما تكلفة الحصول على الإيرادات بلغت 309 ملايين. يمكن فهم الصورة إذا عرفنا أن شركة اتصالات أخرى حققت أرباحًا صافية تقدر بمليار ريال في ربع واحد فقط. فالأصول لدى ''عذيب'' لم تعد منتجة بطريقة تبرر قيمتها الضخمة، وكان لا بد من إعادة النظر في تقييم هذه الأصول، وقد أشار المراجع إلى ذلك بكل وضوح في تقريره.
عندما أصدرت الشركة نشرة الإصدار ركزت على موضوع تسديد الالتزامات المتداولة أملاً في العودة إلى الوضع الصحيح للشركة (من ناحية هيكل تمويل الأصول فقط)، ولذلك استخدمت حصيلة الاكتتاب للتسديد بشكل أساسي. وهذا يبدو مفهومًا لكنه غير مثالي، ولذلك وبرغم الاكتتاب الجديد في 117.500 مليون سهم (1.175 مليار ريال)، إلا أن الشركة لم تتجاوز المربع الأول بعد. فتقرير مراجع الحسابات (عن حسابات الشركة ونتائجها المالية للفترة المنتهية في آذار (مارس) 2012)، قد صدر بالشك مرة أخرى في قدرة الشركة على الاستمرار. وكأن الشركة مضت في طريق طويل من الشك في قدرتها على الاستمرار لتعود مشكوكًا فيها.
جاء في تقرير المراجع أن صافي الاكتتاب (بعد تسديد الالتزامات المتداولة) يبلغ 209 ملايين ريال، وقد تكبدت الشركة خسارة مقدارها 301 مليون ريال، وهذا معناه أن الخسائر قد أكلت المبلغ الصافي من الاكتتاب تمامًا، وعادت لتأكل من باقي حقوق الملاك الذين قاموا بسدادها. وفي تقرير المراجع قبل عام أشار إلى أن الشركة تقوم بعملية تقييم الأصول، وبعد عام كامل يشير إلى الفقرة نفسها بلا تعديل (الشركة لم تزل تقيم الأصول).
المشكلة واضحة جدًّا، الشركة لديها أصول متنوعة تقدر بقيمة 1960 مليون ريال، وعلى أساس هذا التقدير تم الحصول على قروض وأموال من المساهمين لسداد قيمتها. لكن هذه الأصول غير قادرة حتى الآن على خلق إيرادات كافية لتسديد الالتزامات المتداولة (أي المطلوبة خلال عام واحد)، فضلاً عن منح المساهمين أرباحًا. قبل عام كانت المطلوبات المتداولة 1.3 مليار ريال لم تستطع أصول الشركة أن تسددها؛ لذلك سدد المساهمون جزءًأ منها (826 مليونًا)، وبقيت على الشركة مطلوبات متداولة خلال العام بقيمة 474 مليونًا. الشركة لم تزل تحقق خسائر؛ أي أنها غير قادرة على سداد هذا المبلغ المتبقي (إذا لم ينمُ فعلاً) خلال العام القادم. وإذا استمرت الأصول بهذا الأداء السيئ وهو المتوقع (مهما كانت الأسباب سواء كانت تنافسية أو غيرها) ولا توجد خطة تمويل واضحة، فإن مستقبل الشركة خطير، وتتجه إلى تعليق التداول مرة أخرى. بقي القول إنني لم أقدم جديدًا على تقرير مراجع الحسابات الذي جاء مثاليًّا ووضح الحقائق بكل شفافية واستقلالية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي