توطين الوظائف ثمنه باهظ
توطين الوظائف أو ما يسمى أحيانا بالسعودة لا مناص منه، لا يمكن القبول ببقاء واستمرار الأوضاع كما هي. لكن من الأوهام السائدة أن بإمكاننا تحقيق ذلك دون ثمن باهظ. هناك ثلاث حقائق: الأولى أن التوطين أمر حتمي، والثانية أنه، أي التوطين، يعني تغيير وضع قائم، والثالثة أنه لا يمكن تغيير وضع قائم دون ثمن وتضحيات كبيرة.
صرح بعض المسؤولين عن العمل أنهم يحاولون السيطرة على البطالة دون تكلفة على الشركات. علينا ألا نتوقع قدرا ذا بال من السيطرة على البطالة في مدى سنوات قلت أو كثرت دون مشاكل ومصاعب وثمن أو تكلفة معتبرة. من يتوقع فهو واهم. عدم الاعتراف بالتكلفة الباهظة من أسباب فشل الجهود.
هناك آثار سلبية وتكاليف متنوعة، تنشأ من التطبيق، حتى لو افترضنا حسن النية لدى طالبي العمل وأصحاب الأعمال.
لماذا التوطين يعني تغيير وضع قائم، وهو تغيير مكلف؟
أهم مشكلات واختلالات سوق العمل السعودي – كما يبدو لكثيرين، ودون دخول في تفاصيل- هو شدة الاعتماد على الوافدين، وهذه الشدة تكونت وترسخت في النشاط الاقتصادي، على مدى عشرات السنين، وتأقلم مناخ الأعمال التجارية عليها، وأضحت أهم أسباب (الجزء الأكبر من) بطالة المواطنين.
لا مناص من الحد من الاستقدام حدا ملموسا، وهذا الحد سيضغط مع الوقت على سوق العمل، وخاصة سوق الوظائف المعزوف عنها، من حيث الأجور وساعات وعلاقات العمل وبنية الشركات وغيرها. وتبعا لذلك ستحدث تغيرات هيكلية في الاقتصاد والتوظيف: مثلا، سيرتفع الأجر التوازني في سوق العمل السعودي، وتبعا لذلك سيزيد نصيب العمل في الناتج المحلي، وسيقل الاعتماد على الغير في أداء الأعمال اليدوية. وحتى لا يساء الفهم أقول الحد وليس المنع النهائي.
من المؤكد جدا أن الحد يسبب مضارا كبيرة على المدى القصير والمتوسط، ومضارا أقل على المدى البعيد، ومن الوهم أن نتوقع خلاف ذلك. ولكن كما يقول المثل: مكره أخاك لا بطل، علينا أن نوازن بين هذه المضار والمضار المصاحبة لعدم الحد، ومن يقول إن بإمكاننا تلافي المضرتين معا فهو يعيش في أوهام.
من وجهة تحليلية اقتصادية، يجب أن يرتكز توطين الوظائف (إحلال يد عاملة وطنية محل غيرها) على حلول هيكلية طويلة الأمد، في الوقت الذي توجه فيه السياسات المرحلية إلى تخفيف وتسهيل التحول إلى نظام أجور (لليد العاملة) سوقي أي قائم على السوق. وكلاهما يعنيان تقليص الفجوة مع الوقت بين اليد العاملة الوطنية وغير الوطنية من حيث التوظيف وتوابعه.
التحول إلى نظام أجري سوقي تحد صعب يواجه توطين الوظائف، ولكن لا يمكن نجاح التوطين دونه. هذه قضية يجب أن يسلم بها من البداية.
ولكن التحول إلى نظام أجور سوقي للجميع سواء اليد العاملة الوطنية أو غير الوطنية، يتطلب بالضرورة تعديل نظام الإقامة، ووضع سقف سنوي لعدد التأشيرات الممنوحة. ويجب أن يلتزم بهذا السقف التزام صارم وبأعلى درجة من النزاهة على الجميع.
تأسيس صندوق الموارد البشرية كان أحد حلول مشكلة الأجور، ولكنه حل جزئي، وليس حلا شاملا.
معالجة وتغيير نظام الكفالة يتطلب وضع تنظيم قوي للتعاون والتنسيق بين أجهزة الأمن وأجهزة العمل في معالجة النظام، بغرض الوصول إلى هدفي التوطين دون إخلال بالجانب الأمني. نظام الكفالة من مسؤوليات وزارة الداخلية، ولكن التوظيف والتوطين مرتبطان بنظام الكفالة ارتباطا مباشرا، ولا يمكن فصل الاثنين من حيث التأثر والتأثير.
هناك حاجة إلى زيادة المرونة في الإحلال بين نوعي اليد العاملة الوطنية وغير الوطنية. وبدون ذلك علينا أن ننسى أننا سننجح في السعودة. قد لا يقتنع البعض بهذه الرؤية، لكن المجال هنا لا يتيح المناقشة للإقناع، ولكن أشير إلى أن من يعارض زيادة المرونة لسوق العمل مثله مثل من يحث الناس على شراء المنتجات الوطنية في الوقت الذي تتوفر فيه منتجات غير وطنية أجود أو لا تقل جودة، وبأسعار أرخص. في ظل هذه الظروف، تصبح الدعوة إلى مساندة سوق الصناعة المحلية نشاطا حماسيا للاستهلاك الكلامي الذي لا يصمد عند التطبيق.
سوق العمل في مختلف دول العالم وعلى رأسها الدول الصناعية قائم على قوانين تحمي مرونة الإحلال، ولم توضع هذه القوانين عبثا، لأن التحليل الاقتصادي يؤكد أن مرونة سوق العمل شرط لحماية اليد العاملة الوطنية. وهناك ما يشبه الإجماع (في التحليل الاقتصادي لسوق العمل) على انتقاد وجود ازدواجية في سوق العمل labor market segmentation. مثلا بين السعوديين وغير السعوديين.
معالجة ازدواجية سوق العمل تتطلب أيضا تغييرا في عادات أنشأتها طفرة عقد السبعينات من القرن الميلادي الماضي. وتتلخص في استمرار عمل الأسواق لساعات طويلة من الليل، وسهر الناس. لا نجد ذلك في شعوب الأرض الأخرى.
باختصار، توطين الوظائف أو ما يسمى أحيانا بالسعودة لا مناص منه. لا يمكن القبول ببقاء واستمرار الأوضاع كما هي. ولكن من الأوهام السائدة أن بإمكاننا تحقيق ذلك دون ثمن باهظ. والثمن يتركز في تعديل نمط الحياة، وساعات الأسواق، ونظام الإقامة بما يحقق مرونة في التوظيف، ويقلص ازدواجية سوق العمل بين المواطنين وغير المواطنين.