رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حوكمة الجامعات وتحويلها إلى مؤسسات لا تهدف للربحية

الجامعات محور التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ففيها تتشكل الأفكار والمفاهيم والتصورات لدى الشباب، ويتم تطوير مهاراتهم وقدراتهم وتأهيلهم لسوق العمل، وهي المنبع الرئيس للمعرفة والفكر والبحوث والدراسات التطويرية، وجميع ذلك يصب في نهاية المطاف في خدمة المجتمع إسهامًا في رقيه الحضاري وتطوره الاقتصادي والصناعي، لذا فالجامعات نظريًّا وواقعيًّا هي المؤشر الحقيقي لمستوى التنمية في كل المجتمعات. وهنا تبرز تساؤلات عدة، هي في ظني في غاية الأهمية، خاصة في ظل المستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية، وحرص الدولة على تحقيق تطلعات وطموحات المواطنين: ما مستوى إسهام الجامعات السعودية في التنمية؟ وهل هي قادرة بتنظيماتها البيروقراطية على استيعاب المتغيرات والعمل على الاستفادة منها أو على أقل تقدير التكيف معها؟ هل تعمل الجامعات ضمن منظومة الاقتصاد الوطني بتأثير متبادل، أم أنها جزر بيروقراطية بعيدة عن صناعة الحدث منكفئة على نفسها؟ هل دور الجامعات هو الدور ذاته للمدارس في التعليم العام لكن باسم آخر وبمستوى أعلى؟ هل مهمة الجامعات احتضان الطلاب وترويضهم اجتماعيًّا أم رفع قدراتهم المهنية والمعرفية والتحليلية؟ هذه التساؤلات وغيرها الكثير تشير إلى أنه يلزم الوقوف على وضع الجامعات الحكومية وإعادة النظر في دورها التنموي من خلال تطوير نظامها الإداري والمالي لتكون أكثر استجابة لمتطلبات المجتمع.
إن الجامعات بتنظيمها البيروقراطي ثقيلة الحركة، تستغرقها الإجراءات الروتينية الداخلية مكبلة بأنظمة وسياسات تحد من قدرتها على الإبداع والابتكار والمرونة. الجامعات مصانع تنتج عقولاً وأفكارًا وحلولاً، ومن ثَمَّ لا يصح تقييدها بيروقراطيًّا، كما لو أنها جهاز إداري روتيني يقدم خدمات بنسق واحد. الجامعات مكان للتعلم، وهذا يعني التنوع والتفاعل والمبادرة والحركة في كل اتجاه، وإحداث تغيير إيجابي دون التوقف ولو للحظة عن السعي للأفضل وتحسين الأوضاع. لقد أصاب الجامعات الحكومية عطب جراء التنظيم البيروقراطي الذي لا يتناسب مع طبيعتها ووظيفتها وأدوارها، ولم تُمكن من أداء دورها بالشكل المطلوب، ولولا رجال صدقوا ما عاهدوا الله من مديري الجامعات المميزين المتصفين بالنزاهة والشجاعة وبعد النظر، ويحملون أفكارًا تنويرية وراحوا يبحثون عن حلول لتجاوز العقبات البيروقراطية، لما وجدت هناك تعليمًا عاليًا بمفهومه التنموي، فالأصل في وضع الأنظمة هو لتطوير وتنسيق العمل، وتسهيل المهام، وتحقيق الكفاءة والفاعلية والإنتاجية. وعندما لا يتحقق ذلك فتتحول الأنظمة إلى عائق وعقبة كؤود، ويتكون طود كبير من الملفات منتفخة بالأوراق منزوعة الفائدة والقصد لا تسمن ولا تغني من جوع. وربما وجد بعض مَنْ لا يرغبون ولا يقدرون على العمل الإبداعي ولا يحبذون الاجتهاد ذلك الوضع الإداري الرتيب منطقة للراحة يستظلون فيها، ويتخفون مندسين وراء كومة الأوراق حتى لا ينكشف عجزهم. هكذا يدخل العمل الإداري في كثير من الجامعات الحكومية دوامة العمل الروتنيني، لتتحول فيه المسؤولية من صناعة قرارات إيجابية إبداعية مؤثرة إلى تواقيع على معاملات ورقية لا تمت بصلة للواقع مثالية في الشكل خالية المضمون!
لم يعد يكفي على أهميته القصوى وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فالقيادي المناسب يحتاج إلى الوسائل والأدوات التي تعينه على تحقيق رؤيته، وتمكنه من أداء عمله بتميز، وتتيح الفرصة لإبراز قدراته التي لا يستطيعها إلا هو ومن هم يتصفون بصفاته، لذا كان التطوير المؤسسي حجر الزاوية في أي محاولة لتطوير التعليم العالي. وإذا ما اتفق على أن العمل المؤسسي في الجامعات كمؤسسات تعليمية يعتمد على الإبداع والابتكار والمبادرة، يكون من اللازم وضع نظام للجامعات ينسجم مع تلك المعايير، ويتم تقييم الأداء على أساسها. وهذا يعني التحول من المعايير البيروقراطية والتقييم على أساس تطبيق الإجراءات الورقية إلى الحوكمة بالنظر إلى ممارسة السلطة الإدارية والنشاط الذي تقوم به والتأكد على أنها تطبق نمطًا إداريًّا يقود إلى نتائج مطلوبة ومؤثرة من خلال صنع قرارات مسؤولة. وهذا لا يتأتى بطبيعة الحال إلا بصياغة نظام إداري مبني على مجموعة من السياسات والإجراءات التي تهدف إلى تحقيق الجودة والتميز في الأداء، تتيح الفرصة لإدارات الجامعات، بل تؤكد اختيار الأساليب المناسبة والفاعلة لتحقيق خطط وأهداف الجامعة. إن تطبيق الحوكمة كمعيار لقياس الأداء بدلاً من المعايير البيروقراطية الرتيبة يعني صياغة نظم تحكم القرارات والعلاقات بين الأطراف الأساسية التي تؤثر في الأداء وعملية صنع القرار، إضافة إلى تحديد المسؤولية وأسلوب المساءلة. وهذا يعني ببساطة التركيز على النتيجة والتأثير النهائي وليس فقط المنتج، والتعرف بشفافية تامة إلى أي مدى تم تطبيق الصلاحيات الممنوحة لتحقيق ذلك. هذا سيكون عدلاً وإنصافًا لأولئك القياديين الأفذاذ من مديري الجامعات الذين يملكون القدرات والخبرات والرؤية المستقبلية بتقييم أدائهم على أفكارهم وما يحدثونه من تطوير ومبادرات، وليس أعمالاً روتينية يقوم بها أي أحد، ولا تتطلب تفكيرًا إبداعيًّا ولا سمات مميزة.
إن تطبيق الحوكمة يستدعي بالضرورة التحول بالجامعات من التنظيم البيروقراطي إلى مؤسسات لا تهدف إلى الربحية، بحيث يكون هناك مجلس أمناء يتكون أعضاؤه من داخل الجامعة وخارجها. هذا التكوين الإداري سيجعل الجامعات أكثر التصاقًا بالمجتمع وأكثر تفاعلاً واستجابة لمتطلباته؛ لأنه أكثر مرونة وواقعية، ويجلب موارد ومعلومات مهمة للجامعة، ويخرجها من عباءة التعقيد البيروقراطي إلى فسحة اقتناص الفرص والمنافسة والبحث عن الأفضل. كما أن تقييم أداء الجامعة سيخضع لمعايير التأثير النهائي في المجتمع بجميع مكوناته، وليس فقط تطبيق الإجراءات التي مضى عليها ردح من الزمان دون تطوير.
إن التحول بالجامعات إلى مؤسسات لا تهدف إلى الربحية في حقيقته تحول نحو منظمة متعلمة تتصف بالانفتاح والشفافية ومناقشة ما لم يكن يسمح بمناقشته. وهذا سيقود الجامعات إلى بناء الخبرات والبرامج والأنشطة مبنية على الاحتياجات الحقيقية للمجتمع وتحولها من منظمات تقدم خدمات تعليمية وبحثية واستشارية وحسب، إلى مؤسسات ذات قيمة اجتماعية لذاتها، يقدرها ويدعمها المجتمع. لقد حان الوقت لتطبيق جامعة بلا تعقيدات بيروقراطية لتطلق الطاقات الكامنة، وتسهم بفاعلية وحق في التنمية الوطنية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي