خفض تقديرات تضخم أسعار الملابس
ارتفع الرقم القياسي العام لتكاليف المعيشة في كانون الثاني (يناير) بنسبة 38.8 في المائة مقارنةً بالشهر نفسه من عام 1999. وساهمت معظم المجموعات الفرعية في ارتفاع تكاليف المعيشة، ولكن شذت عن هذه القاعدة مجموعتا الملابس والمواصلات واللتان تراجعتا في تلك الفترة بنسبتي 15.3 في المائة، 3.2 في المائة على التوالي. ولم يقتصر تراجع تكاليف الملابس على السنوات 13 الماضية بل إنه كان مستمراً طوال فترة 32 عاماً الماضية (أي منذ عام 1980). ولهذا من المرجح تواجد هامش للخطأ في قياس أسعار بنود مجموعة الملابس، والذي أدى إلى استمرار تراجع أسعارها لأكثر من ثلاثة عقود. ويعود تراجع تكاليف الملابس حسب بيانات مصلحة الإحصاءات العامة والبيانات خلال فترة 32 عاماً الماضية إلى تراجع تكاليف معظم مكونات هذه المجموعة، بما فيها معظم أنواع الملابس والأحذية الرجالية والنسائية على حدٍ سواء.
ولا توجد مبررات اقتصادية مقنعة للتراجع القوي في أسعار الملابس طوال الفترة الماضية، صحيح أن هناك منافسة قوية بين منتجي ومصدري الملابس وخصوصاً الدول منخفضة الدخل، ولكن باقي العوامل الخارجية والمحلية المؤثرة على تكاليف الملابس لا تدعم مبدأ تراجع تكاليف الملابس في المملكة طوال الفترة الماضية. ويدخل في تكاليف إنتاج الملابس وبشكل جوهري أجور العمالة والمواد الأولية والتكاليف الرأسمالية. وقد ارتفعت معدلات الأجور في جميع أرجاء العالم بما في ذلك الدول منخفضة النمو، وتشكل الأجور جزءًا كبيراً من تكاليف إنتاج الملابس. وارتفعت في الوقت نفسه أسعار المواد الأولية بعدة أضعاف، فهذه أسعار المواد البتروكيماوية والنفط ترتفع بقوة مقارنةً مع مستوياتها قبل ثلاثة عقود، والحال يسري على المواد الأولية الأخرى الداخلة في صناعة الملابس مثل القطن والصوف والجلود. من ناحيةٍ أخرى، فإن صناعة الملابس صناعة قديمة ولم تشهد تطورات أو طفرات تقنية مخفضة للتكاليف خلال الفترة الماضية، ولهذا فإن تأثيرات التغيرات التقنية المخفضة للتكاليف محدودة. ويدخل في تكلفة بيع الملابس بعض العوامل المحلية مثل معدلات الأجور المحلية وإيجارات العقارات التجارية وعمولات الوسطاء والتجار. وقد ارتفعت تكاليف العمالة والإيجارات في المملكة عن مستوياتها في عام 1980، كما لا أتوقع تراجع عمولات الوسطاء والتجار، بل هو من الأمور المستحيلة.
وشهدت تكاليف الملابس في مختلف دول العالم خلال فترة الـ 32 عاماً الماضية ارتفاعات متفاوتة، فقد زادت تكاليف الملابس في الولايات المتحدة مثلاً بنحو 40 في المائة على الرغم من تخليها عن القيود الكمية التي كانت مفروضة على واردات الملابس. وكانت الدول المتقدمة تفرض قيودا كمية على استيراد الملابس لحماية الصناعات المحلية من منتجات الدول النامية. وقد أدى إلغاء نظام الحصص إلى استقرار نسبي لأسعار الملابس في الدول الصناعية، ولكنه لم يقد إلى تراجع كبير فيها. ولم تستخدم المملكة أبدا سياسة القيود الكمية على ورادات الملابس، لهذا لم تعان أسعار الملابس في المملكة من أية ضغوط خلال الأعوام الماضية.
ويجد الكثير من مستهلكي المملكة صعوبة في قبول مبدأ تراجع أسعار الملابس والأحذية خلال الثلاثة عقود المنصرمة كما تشير إليه بيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، لأن الملموس في الأسواق هو ارتفاع تكاليف هذه السلع والخدمات المرتبطة بها وخصوصاً في السنوات القليلة الماضية. كما لا توجد دلائل منطقية تؤكد إمكانية تراجع تكاليف الملابس خلال فترة 32 عاما الماضية، ولهذا تبدو تقديرات مصلحة الإحصاءات العامة لتغيرات تكاليف الملابس غير دقيقة وأعتقد أنها تحتاج إلى مراجعة. وقد كان لتراجع تكاليف الملابس تأثيراً سلبياً على معدلات التضخم المعلنة، حيث قاد إلى تراجعها بعدة نقاط مئوية خلال الثلاثة عقود الماضية. ونظراً لعدم توافر معلومات منشورة عن الأهمية النسبية لمجوعة الملابس في تكاليف المعيشة، إلا أن التحليل الفني يشير إلى أنها تساهم بنحو 10 في المائة أو أقل من تكاليف المعيشة. وفي تصوري فإن تأثير خفض تقديرات تكاليف الملابس عن المحتمل صحته خلال 32 عاما الماضية قد أدى إلى تراجع معدلات التضخم السنوية بما يتراوح بين عشر أو عشرين نقطة مئوية طوال الفترة الماضية. وفي حالة صحة هذه الفرضية فإن معدل التضخم السنوي في المملكة سيرتفع من 1.3 إلى 1.5 في المائة خلال العقود الماضية.