العقل التنمية الصحيحة والقولبة الجامدة
تناول الدكتور برهان غليون رئيس المجلس الوطني الانتقالي في كتابه اغتيال العقل الظروف التي تؤدي إلى اغتيال العقل البشري والقضاء عليه، وإلغاء قيمته التي أوجده الله من أجلها بهدف عمارة الأرض واستثمارها أفضل استثمار. وفي ما أتذكر من ذلك الكتاب إشارته إلى المكونات الاجتماعية، والثقافية التي تحيط بالفرد منذ ولادته وتبدأ تأثيرها السلبي على الفرد وذلك بتشكيل وقولبة عقله بصورة جامدة غير قابلة للتغير أو إعادة التشكيل، صورة نمطية ترفض الجديد ولا تتسم بأي شكل من المرونة.
العوامل التي تسهم في اغتيال العقل ومصادرة فاعليته ليست مقتصرة على المكونات الاجتماعية والثقافية، بل إنها تمتد لتشمل الممارسات اليومية بما في ذلك التربية والتعليم، وما تلقاه من خلال وسائل الإعلام، إضافة إلى الممارسات اليومية في البيئة المنزلية وما يحدث فيها من أنشطة ونقاشات أو بيئة العمل وما قد يوجد فيها من محفزات ومثيرات تتحدى عقل الفرد وتجعله ينشط ويفكر ويحلل بشكل صحيح وليس بصورة نمطية جامدة. إن البيئة التربوية والتعليمية وما يحدث فيها من أنشطة قد تكون ذات قيمة في استثارة العقل وتنشيطه أو قد يكون العكس، حيث يجد الجمود ومن ثم التكلس بل والموت لعقل الفرد ومن ثم انسحابه عن واقع الحياة ويكون وجوده مجرد رقم هامشي في المجتمع وليس له دور يذكر.
الفرد حين يتنحى بعقله ويبتعد عن الحياة وما يدور فيها من أحداث وأزمات لا شك أنه في حياة موت عقلي لأنه لا يتفاعل ولا يدرك ما يدور حوله وما قد ينتظره من مفاجآت قد لا تكون سارة، لأنه لم يستثمر إمكاناته العقلية بالشكل الصحيح خاصة إذا كان قد تشكل عقله في بيئة جيدة وفرت له كل إمكانات النمو العقلي السليم. تذكرت هذا الكتاب للدكتور برهان غليون حين وقع المجلس الوطني السوري مع هيئة التنسيق العربي ولدى أعضاء في المجلس الوطني نفسه، ذلك أن الاتفاقية أسقطت حق الشعب السوري في الحماية، كما أنها أشارت إلى الجيش السوري بكلمة الاعتزاز ولم تؤكد على التكامل والدعم من قبل الموقعين لهذه الاتفاقية التي وقعها برهان غليون عن المجلس الوطني وأثارت الكثير من ردود الفعل السلبية، وقد أتهم غليون ذاته في تسرعه وعدم تنسيقه مع أعضاء المجلس، وقد تساءلت وأنا أتابع ما حدث وردود الفعل عليه. أين التفكير العقلي السليم الذي يجب أن يتحلى به غليون حتى لا يضع الثورة السورية في مهب الريح، والتي دفع فيها الشعب السوري الكثير من حياة أبنائه شباباً وشيوخاً ونساءً وأطفالا، إضافة إلى الدمار الذي طال الممتلكات وذلك بفعل الهجمة البربرية التي مارسها نظام عائلة الأسد على الشعب السوري الأعزل.
أعتقد أن الاتفاقية وقعت في غياب العقل المتمهل والدقيق في نظرته للأمور ودون أخذ للآثار السلبية التي قد تنجم عن مثل هذا الفعل، ماذا سيكون عليه الشارع السوري الذي يتطلع للحماية ويدعو لها نظراً لما يتعرض له من قمع وقتل أقل ما يصيبه الإحباط وفقدان الثقة بالمجلس الوطني السوري أو رئيسه الذي تصرف وحده دون مراعاة لمخاطر هذا الفعل.