غيوم اقتصادية في سماء اليابان
اليابان هي ثالث أكبر اقتصاد في العالم بناتج محلي 6.5 تريليون دولار، ويأتي ترتيبها بعد الصين (بناتج محلي 7.5 تريليون) والولايات المتحدة (بناتج محلي نحو 15 تريليونا)، وهي من هذا المنطلق تعد أحد اللاعبين الكبار في الاقتصاد العالمي. تعرض الاقتصاد الياباني هذا العام لعدة صدمات أدت مجتمعة إلى التأثير بصورة كبيرة في معدلات النمو المحققة فيه. فقد كانت التوقعات حول نمو الاقتصاد الياباني تدور حول معدل نمو 2 في المائة، اليوم تحولت تلك التوقعات إلى معدلات نمو سالبة، ويبدو أن الاقتصاد الياباني يستعد للدخول في حالة كساد، حيث جاءت بيانات النمو في الربع الرابع من العام الماضي مخيبة للآمال. فقد حقق الاقتصاد الياباني معدل نمو سالبا في الربع الرابع بلغ 0.6 في المائة أو بمعدل نمو سنوي سالب 2.3 في المائة.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يحقق فيها الاقتصاد الياباني معدل نمو سالبا خلال 2011، ففي الربع الرابع من 2010 حقق الاقتصاد الياباني معدل نمو صفرا في المائة، وفي الربع الأول من العام الماضي حقق نموا سالبا بمعدل 1.8 في المائة، وفي الربع الثاني حقق نموا سالبا بمعدل 0.4 في المائة. بهذا الشكل يصبح صافي النمو السنوي للعام الماضي سالبا، مما يعني أن الاقتصاد الياباني بدأ دخول مرحلة كساد جديدة، ويمكن تقسيم الأسباب المسؤولة عن التراجع في النمو إلى ثلاثة عوامل:
1. تراجع الطلب العالمي على الصادرات اليابانية:
على الرغم من تعدد الأسباب المسؤولة عن تراجع النمو، إلا أن تراجع الصادرات اليابانية كان له تأثير كبير في القطاع الصناعي الياباني. فالمستوردون الكبار من اليابان إما يعانون مشكلات اقتصادية أو يواجهون مخاطر كبيرة تحدق باقتصاداتهم وتؤثر بصورة سلبية في معدلات النمو المحقق لديهم هم أيضا. فقد أدت المشكلات التي تعانيها أوروبا إلى أزمة ثقة، ومن ثم التأثير بصورة سلبية في الإنفاق الاستهلاكي الأوروبي، والذي يعد من الأسواق الرئيسة للإنتاج الياباني، كذلك تسبب بطء التعافي الأمريكي إلى تراجع الطلب العالمي على الصادرات اليابانية.
2. ارتفاع قيمة الين:
جاء ارتفاع قيمة الين في عام 2011 في غير توقيته بالنسبة للاقتصاد الياباني، فمنذ نيسان (أبريل) الماضي ارتفع الين بأكثر من 7 في المائة بالنسبة للدولار، بل إنه منذ 2006 ارتفع الين بالنسبة للدولار بنسبة 35 في المائة، ولقد حاول البنك المركزي الياباني التدخل في سوق النقد الأجنبي من أجل السيطرة على ارتفاع قيمة الين بالنسبة للدولار، حيث تشير ''الإيكونوميست'' إلى أنه قد تم استخدام ثمانية تريليونات يورو في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وكذلك تريليون أخرى في تشرين الثاني (نوفمبر) للحد من ارتفاع الين، وهو تدخل مكلف جدا يوازي أكثر من 116 مليار دولار، ومن المعلوم أن الين القوي يؤدي إلى تأثيرين، الأول هو جعل الصادرات اليابانية أكثر تكلفة بالنسبة للمستوردين في الخارج وهو ما يؤدى إلى تراجع تنافسية الصادرات اليابانية، وقد ترتب على ارتفاع قيمة الين تراجع قيمة الصادرات بنسبة 3.1 في المائة، والآخر وهو تراجع أرباح المصدرين اليابانيين، وذلك عندما يعاد تحويل حصيلة الصادرات بالدولار إلى الين. إن أهم الآثار التي تصاحب تراجع أرباح قطاع الأعمال هو تراجع مستويات الاستثمار.
3. الكوارث الطبيعية
لم تكد اليابان تستريح من كارثة الكساد العالمي الذي نتج عن أزمة سوق المساكن في أمريكا، حتى تعرضت اليابان لنوع آخر من الكوارث، وهو الكوارث الطبيعية التي لعبت الدور الأساسي في الانحسار الذي حدث هذه المرة. فقد ضرب تسونامي الشاطئ الشمالي لليابان، وترتب عليه أن تراجع إنتاج الكثير من الشركات الكبرى أو توقف تماما. تأثير الكوارث الطبيعية في اليابان لم يقتصر على ضرب شواطئها وإنما أيضا تعرضت شواطئ تايلاند لفيضانات هائلة، وهو ما أدى إلى آثار انتشارية سالبة على الاقتصاد الياباني، حيث تعد تايلاند أحد كبار الموردين لليابان كما يوجد العديد من مراكز الإنتاج للشركات اليابانية هناك. ذلك أن سلسلة العرض للاقتصاد الياباني Supply Chain لا تقتصر فقط على الإمدادات من المصانع اليابانية، وإنما تتسع سلسلة العرض للاقتصاد الياباني يوما بعد يوم لتشمل المصانع اليابانية التي تملكها الشركات الوطنية في الخارج، ولقد أدت الفيضانات إلى اضطراب سلسلة العرض بصورة واضحة، مما أدى إلى التأثير سلبا في إنتاج المصنعين الكبار في اليابان.
لسوء الحظ الخيارات المتاحة أمام صانع السياسة الاقتصادية الياباني للتعامل مع هذه المشكلة تعد محدودة للغاية حاليا لتشجيع الطلب المحلي، بصفة خاصة لم يعد من الممكن تحقيق نتائج ذات تأثير جوهري من استخدام أدوات السياسة النقدية لأن معدلات الفائدة أصلا عند مستويات صفرية، كما أن عرض النقود عند مستويات تاريخية، خصوصا أن بنك اليابان المركزي أعلن في أعقاب الإفراج عن النتائج عن نيته شراء سندات دين حكومية بعشرة تريليونات ين بهدف الضغط على التضخم نحو الارتفاع، حيث يستهدف البنك المركزي الياباني معدل تضخم 1 في المائة. كما أن احتياطيات اليابان أجهدت إلى حد كبير في عمليات التدخل في سوق النقد الأجنبي لوقف ارتفاع الين أمام الدولار مسبقا.
لم يعد أمام صانع السياسة سوى الانتظار حتى تتحسن أوضاع الاقتصاد العالمي ويعود الطلب على الصادرات اليابانية عند مستوياته السابقة. ربما العامل الوحيد الذي يمكن أن يؤدي إلى آثار موجبة على النمو في الفترة المقبلة هو بدء عمليات إعادة البناء لما دمرته موجات التسونامي التي اجتاحت اليابان العام الماضي، أي أن أي نمو متوقع في العام الحالي في اليابان لن يكون ناشئا عن الطلب الخارجي، وإنما نتيجة لجهود إعادة الإعمار التي ستبدأها اليابان.
والآن هل سيعود النمو إلى مستوياته في اليابان؟ الإجابة للأسف الشديد لا، فأخذا في الاعتبار أن الاقتصاد الياباني من أكثر اقتصادات العالم انفتاحا على العالم الخارجي، حيث تلعب الصادرات دورا مهما في مستويات النشاط الاقتصادي، فإن الأمر سيحتاج إلى بعض الوقت حتى تستعيد القوى الاقتصادية الرئيسة في العالم عافيتها وتخرج من حالة الكساد التي تمر بها حاليا، وهي مسألة من الواضح أنها ستستغرق وقتا، خلالها ستستمر أوجاع الاقتصاد الياباني.