الضريبة على الأراضي البيضاء.. هل هي حل لأزمة السكن؟
طالعتنا بعض الصحف والمؤسسات الإعلامية بحديث عن مسألة الضرائب على الأراضي غير المطورة، الذي جاء في تصريح لأحد أعضاء مجلس الشورى يذكر فيه أنه تم رفع توصية في إطار النظام الجديد للزكاة، بفرض ضريبة على الأراضي البيضاء غير المطورة بنسبة تراوح بين 15 و20 في المائة، وجاء بعد ذلك نفي أن هذا كان توصية من مجلس الشورى، بل كان رأيًا لبعض الأعضاء، وجاءت المطالبة بالضريبة لخبراء وإعلاميين ومواطنين أيضًا من خلال وسائل الإعلام، بهدف تخفيض أسعار الأراضي ـــ التي ارتفعت بصورة غير منطقية ـــ، والحد من الاحتكار.
في البداية؛ نجد أن مسألة الضريبة من القضايا التي تباينت فيها آراء الفقهاء المعاصرين بين من يرى أنها من أشد المحرمات، وهي صورة من صور المكوس التي حرمها الشرع، وبين من يرى جوازها بضوابط تتعلق بحاجة المجتمع للخدمات، وأن تكون بعد استنفاد خزانة الدولة إمكاناتها في توفير الخدمات الأساسية في المجتمع، وبعد التأكد من أن هذه الأموال ستصرف فعلاً في الخدمات العامة، وبشكل مرشد ويحقق المصلحة العامة. والحقيقة أن الدولة المدنية في إطارها المعاصر تختلف بشكل واضح عن شكل الدولة في السابق، حيث أصبح عليها عبء تقديم مجموعة من الخدمات للمجتمع، منها التعليم والصحة والأمن والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والطرق ووسائل الاتصال وغيرها، وهذا يتطلب مصاريف باهظة إذا ما سعى الإنسان إلى توفيرها بشكل شخصي، ومع ذلك فقد ظهرت بعض التحولات، حيث بدأت بعض الدول اليوم تحاول أن تنفك عن بعض هذه الخدمات من خلال التخصيص، وذلك بغرض التخفيف من ترهل الدولة وزيادة في كفاءة هذه الخدمات وتوافرها، ولكن في قضايا تتطلب عدم المجازفة في الاعتماد على القطاع الخاص لتوفيرها في مثل التعليم والصحة مثلاً، ما زال كثير من دول العالم تتحمل عبء توفير هذه الخدمات خشية أنه وبسبب بحث القطاع الخاص عن الربحية، قد لا يكون توفيرها بالجودة المطلوبة والمأمولة. ولذلك من المتصور إمكانية أن يكون هناك شيء آخر يختلف عن شكل الضريبة في مفهومها وتطبيقها في الاقتصاد الغربي، بأن يكون هناك إطار آخر لما يمكن أن تتقاضاه الدولة، وذلك من خلال مبالغ عن خدمات تقدم بشكل مباشر.
ففيما يتعلق بالأراضي بالإمكان أن يكون هناك فرض زكاة على الأراضي التي يتصور أنه لا يُحتفظ بها بغرض الاستخدام الشخصي، والتي تتجاوز مساحاتها عن مساحات معينة، كما أنه أيضًا تفرض الزكاة على الشخص الذي يمتلك أكثر من قطعة أرض تفوق حاجته، ويكون تحديد ذلك من خلال دراسة مسحية لواقع المجتمع. من الممكن أيضًا أن يكون هناك رسم مقابل إيصال الخدمات، وذلك في مثل إيصال الطرق والكهرباء والمدارس والتعليم والأمن وغيرها من الخدمات، فبدلاً من أن تفرض مثلاً شركة الكهرباء رسمًا عاليًا جدًّا مقابل تشغيل الكهرباء في المنازل، فإنها من الممكن أن تحول ذلك إلى رسم سنوي معقول يبدأ من حين إيصال خدمة الكهرباء إلى الأرض، وهذا الأمر أيضًا يشمل الطرق وغيرها من الخدمات. بمعنى أن الأراضي التي لم تصلها الخدمات وهي خارج النطاق العمراني لا تشملها الرسوم، ولكن يمكن أن تشملها الزكاة إذا لم تكن تستغل لأغراض الزراعة أو الصناعة وغيرهما.
أما فيما يتعلق بأزمة السكن في المجتمع، فالمسألة مرتبطة بشكل كبير بالاحتكار، وهو أن البعض يرى أن في إبقاء ماله في هذه الأراضي نموًّا على المدى المتوسط والطويل، وإنها استثمار آمن ويحقق أرباحًا خيالية، من خلال الاحتفاظ به فقط. ومن ثَمَّ فمع التقلبات التي تشهدها الأسواق والاستثمارات سيجد أن العقار هو الاستثمار الآمن. ولذلك ليست المشكلة في ارتفاع الأسعار فقط. بل لو فرضنا أن الحكومة فرضت الضريبة، فإن ذلك قد يؤدي إلى أشكال من التلاعب من خلال نقل ملكيات هذه الأراضي إلى أشخاص لا يملكونها فعلاً، أو من خلال تطويرها بشكل غير مناسب، مما يؤدي إلى زيادة المشكل والقضايا في المحاكم، وهدر كبير بغير فائدة تُذكر عبر بنائها بشكل غير مناسب، وقد تؤدي أيضًا إلى مشكلة هروب استثمارات استراتيجية في هذا القطاع الذي يحتاج إلى تطوير، وليس إلى هروب الاستثمارات منه.
ولذلك ينبغي أن يكون العمل على حل أزمة الإسكان على أساس تحفيز استغلال والاستفادة من الأراضي داخل النطاق العمراني المستكملة للخدمات كافة، والحد من وجود الأراضي البيضاء الشاسعة داخل المدن، وأن تكون هناك وفرة في الأراضي بشكل يساعد على أن تكون الأسعار منطقية، وتعكس واقع السوق الذي يكون مبنيًّا على حالة العرض والطلب، ولذلك ليس تخفيض الأسعار هدفًا في حد ذاته، أما فيما يتعلق بالضريبة، فإن الحكومة ـــ ولله الحمد ـــ وبفضل ما مَنَّ الله به علينا في هذه البلاد من الموارد، تحفز دعم المواطن، والنشاط التجاري والصناعي بالدعم الحكومي من خلال الصناديق الصناعي والزراعي والعقاري وبنك التسليف، ودعم السلع الأساسية والدعم الكبير للتعليم والصحة وغيرها من القطاعات، بميزانيات تاريخية فغير المتصور معه أنه من المناسب الحديث عن الضريبة في إطارها التطبيقي، وإن كان من المهم دراستها وبحثها من جميع النواحي في إطار شكل الدولة الحديث نظريًّا، وقد يكون تطبيقيًّا لكن على قطاعات لا تمس حياة المواطن بشكل مباشر، خصوصًا أن خطة التنمية تسعى إلى تحقيق الرفاهية للمواطن.