مكافحة الإرهاب... ثبات السياسة وتغير النتائج
<a href=[email protected]">[email protected]</a>
بالتأكيد، فإن سياسة مكافحة الإرهاب التي تنتهجها وزارة الداخلية لم تتغير في مضمونها وأهدافها الرامية إلى القضاء على شأفة الإرهاب، و"إلقاء القبض على المطلوبين والمتهمين بغية التحقيق معهم وتقديمهم إلى العدالة"، وهي رسالة ثابتة لا تحتاج إلى إعادة تأكيد أو توضيح، مهما تغيرت الخطط الميدانية التي عادة ما تأخذ في الحسبان ردود أفعال الإرهابيين على أرض الواقع.
سلامة رجال الأمن مع الإبقاء على أرواح الإرهابيين، دون الإخلال بإجراءات الأمن الاحترازية والدفاعية، غاية لا يمكن نفيها عن القيادات الأمنية التي تضع نصب أعينها سلامة المواطن مهما كانت جريرته، فالهدف الأسمى هو كف شر الإرهابيين، وإلقاء القبض عليهم، وتقديمهم إلى العدالة، بعيدا عن إراقة الدماء وإزهاق الأنفس. إصرار المطلوبين الأمنيين على رفض نداءات الاستسلام، وتجاهل المحاولات الرامية إلى حقن الدماء، وسلامة الجميع، يؤدي في النهاية إلى حدوث المواجهات المسلحة، أو ما يُطلِق عليه رجال الأمن " التعامل بالمثل وفق ما يقتضيه الموقف".
من هذا المنطلق تحرص القيادات الميدانية على جعل المواجهة المسلحة خيارها الأخير، فتبدأ في استنفاد الخيارات السلمية المتاحة و إطالة أمد الحصار وتوجيه نداءات الاستسلام حرصا على سلامة المواطنين، رجال الأمن، والإرهابيين أنفسهم.
خيار سلامة المواطنين الرئيس هو ما أكده خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في تصريحاته التي قال فيها "أرواح المسلمين وأنفسهم غالية علينا حتى هؤلاء الأشقياء أتمنى أن يهديهم الله إلى طريق الرشاد"، ولم يكتف - حفظه الله - بهذه الكلمات الأبوية، بل أكد على أهمية المواطن بقوله: "من نحن بدون المواطن"، وهي الجملة التي اتخذها مجلس الوزراء الموقر منهجا لعمل جميع الأجهزة والمؤسسات الحكومية. التركيز على المواطن، وتحسين بيئته الحياتية من خلال الوزارات الخدمية، والإدارات الحكومية قد يقضي على بعض القصور الذي يستغل من قبل زعماء الجماعات الإرهابية كمسوغ لتمرير أفكارهم الهدامة للمجندين الشباب.
أجزم بأن عملية جدة الأمنية التي انتهت بتسليم الإرهابيين أنفسهم لرجال الأمن تمثل نقلة نوعية في عمليات مكافحة الإرهاب عطفا على ما حققته من نتائج أمنية مذهلة. أمنيا، حققت العملية كثيرا من النجاحات على مستوى سلامة رجال الأمن، المواطنين العزل، وأفراد المجموعة الإرهابية الذين سلموا أنفسهم إلى قوات الأمن بعد مفاوضات مستفيضة، وهي سابقة تعتبر الأولى من نوعها منذ بداية المواجهات المسلحة بين قوى الأمن وأفراد الفئة الضالة. في الجانب الاستراتيجي، يمكن أن تستخدم المعلومات المحصلة من أعضاء المجموعة الإرهابية كمؤشر لقياس دقة الخطط الأمنية، ومدى ملاءمتها لرصد تحركات الخلايا الإرهابية، وتحصيل ما أمكن من المعلومات المهمة، إضافة إلى ما حققته العملية من تجارب ناجحة في أسلوب التفاوض مع الإرهابيين، وإمكانية إقناعهم بخيار الاستسلام بدلا من الانتحار. التفاوض مع الإرهابيين هو أحد الأساليب الأمنية الحديثة التي تعتمد كثيرا على علم النفس، وأسلوب المحاورة، وملكة الإقناع والتأثير، ولعله يمثل الجانب الأهم في غالبية العمليات الأمنية الحديثة.
أعتقد بأن عملية إقناع أفراد الفئة الضالة تحتاج إلى كفاءة فكرية خاصة يمكن لها أن تغير في قناعاتهم وأفكارهم الخاطئة، خصوصا تلك التي تسوغ لهم قتل النفس خشية تسرب أسرار الجماعة (الخلية الإرهابية)، وما حدث في عملية جدة ما هو إلا جزء من عملية التأثير الفكري الذي أثبت نجاعته مع معتنقي الفكر التكفيري.
نجاح المفاوضين في التأثير على أعضاء خلية جدة يقودنا إلى الجانب الأهم في الحرب على الإرهاب، وهو الجانب الفكري الذي يؤثر في تصرفات الخلايا الإرهابية، ويبرر لها المحرمات بدءا من قتل النفس، مرورا بتدمير الممتلكات وترويع الآمنين، وانتهاء بتكفير المسلمين. الفكر والثقافة هما مفتاح التأثير الحقيقي على المجموعات الإرهابية ومؤيديها، وهما الوسيلة الفاعلة التي يمكن من خلالها حماية النشء، وتحصينه ضد الأفكار الهدامة، ومنعه من أن يكون لقمة سائغة في يد الإرهابيين. تحصين المجتمع، ونشر ثقافة الحياة بدل الموت، وحب الوطن والتقيد بتعاليم الدين الحنيف هو الحصن المنيع، وخط الدفاع الأول القادر على هزيمة الإرهاب بعيدا عن العمليات العسكرية.
وإذا كان للفكر والثقافة دور مهم في مكافحة الإرهاب، فإنهما قد يكونان سببا لخلقه، وإثارته من جديد، خصوصا في مجتمعنا الديني المحافظ. وما يحدث في هذه الأيام من خلاف علني على صفحات الجرائد بين رجال الدين وبعض المفكرين والكتاب إنما يساعد، دون قصد، على تهييج الرأي العام المحافظ، خصوصا فيما يتعلق بالتعاطي مع رجال الدين، وأعضاء هيئة كبار العلماء الذين يفترض أن تكون لديهم حصانة تحفظ لهم مكانتهم الدينية، العلمية، والاجتماعية. النقاش العلمي والاختلاف المبني على الدليل لا ضير فيه، ولعل علماءنا الأجلاء هم أول من يشجع عليه، ولكن يفترض أن يبقى الخلاف، والنقاش العلمي داخل الغرف المغلقة كي لا يستغل من قبل ضعاف النفوس من أجل ترويج الأفكار الهدامة، وتأجيج المشاعر، وضرب الوحدة الوطنية. نحمد الله أن أنعم علينا بالعلماء الربانيين، ورثة الأنبياء، وحجج الإسلام والمسلمين، ومن حقهم علينا أن نحفظ لهم مكانتهم، وأن نحسن معهم الاختلاف العلمي، تقيدا بالهدي النبوي الكريم، وإقرارا بحقهم وفضلهم الذي لا ينكر.
أعتقد أن مركز الحوار الوطني هو المكان المناسب لطرح مثل هذه النقاشات. الاتصال المباشر كفيل بتوضيح الرؤى والأفكار بعيدا عن التأثيرات الجانبية، لذا أرجو أن يكون هناك تدخل رسمي لنقل هذه النقاشات والأطروحات من وسائل الإعلام إلى مركز الحوار الوطني، أو الدواوين الخاصة حرصا على المصلحة العامة ووحدة الصف والكلمة.
استراتيجية مكافحة الإرهاب يفترض ألا تغفل الجوانب الفكرية، الداعمة، والمهيجة لمشاعر العداء والتنافر، وألا تغض الطرف عن المتغيرات الاجتماعية، الإعلامية، والسياسية التي أوشكت على فتح جبهات داخلية غير محمودة العواقب.