رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


ثقافة ما بعد التغيير

خلال الأشهر الماضية شهدت العديد من الدول العربية تغيرات إما كبيرة، أو جزئية، وقد كانت أسباب هذه التغيرات معروفة حيث المركزية، وأحادية التفكير، والتفرد بالسلطة، والمال، وانعدام الشفافية، وانعدام المشاركة الشعبية، واحتكار المصالح في أيدي فئة محدودة، وهيمنة الأجهزة الأمنية على الناس في شؤون الحياة كافة. وقد واكب هذه الفترة ثقافة تكرس، وتمجد، وتثني على الوضع معتبرة إياه بالوضع المثالي الذي لا يمكن إيجاد مثيل له عبر الأزمنة، وفي أرجاء المعمورة كافة. هذه الثقافة غرسها، وعمل على تثبيتها لدى الناس أفراد محسوبون على الأنظمة ومستفيدون منها، واستغلوا في ذلك مختلف منابر التأثير من إعلام مقروء، ومسموع، ومرئي، وكتب، ومسرح، ومساجد وغيرها من قنوات التأثير المعروفة، وساعدهم في ذلك اعتبارات تاريخية عفى عليها الزمن، أو اعتبارات ثقافية ودينية تستخدم لتمرير ما يراد تمريره على الناس.
ومع أن الفترة الماضية بدت، أو هكذا يخيل للممسكين بزمام الأمور السياسية، والأمنية أنها فترة أمن، وأمان، واستقرار، وقبول بالوضع الراهن إلا أنه تأكد أنه هدوء يسبق العاصفة الهوجاء التي تحرك كل ما يقع في طريقها من مكانه، وهذا بالفعل ما حدث على أقل تقدير لرموز وقيادات عدة في الدول التي شهدت التغيير، والتحرك الشعبي، وحيث حدث التغيير، وتم الإطاحة برؤوس الأنظمة إلا أن هذا لا يكفي. إذ لا بد من التساؤل هل انتهت المشكلة وبدأت الأمور تسير على ما يرام أم أن الأمر لا يزال في بدايته؟ القول بأن الأمر انتهى وحلت المشاكل بزوال النظام تسطيح للعقول، وتلاعب بالمشاعر، إذ لا يمكن التخلص من آثار عقود مسخت فيها العقول وبرمجت بصورة تخدم الزعيم، أو القائد، وتمسخ شخصيات الكثيرين بهذه السرعة، وبهذه البساطة، وعليه يجب السعي لإيجاد ثقافة مختلفة، تأخذ في اعتبارها الوضع الجديد، ومتطلبات المرحلة بما تعنيه من تغيير في الدساتير، وتغيير في الأنظمة، والقوانين التي مضى عليها عقود كثيرة، ثقافة تسلط الضوء على الماضي لأخذ العبرة منه بما فيه من إيجابيات، وما به من سلبيات، ثقافة أساسها المشاركة في الإدارة، وتعدد الآراء، ثقافة الشفافية التي تسمح بمناقشة المسؤول من خلال الإعلام، ومن خلال المجالس النيابية بشأن الجهة التي يرأسها.
الثقافة الجديدة يفترض أن يكون الجميع، رؤساء ومرؤوسين، تحت سيادة وسلطة النظام، ولا استثناء لأحد من هذه القاعدة ''والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها''. ثقافة يكون قوام الاختيار فيها الأهلية والكفاءة، وليس أي شيء آخر كقرابة أو صداقة أو مصالح متبادلة.
الثقافة الجديدة يكون العمل فيها من خلال المؤسسات، أي العمل المؤسسي بدلاً من النفوذ الفردي الذي يفسد ما يجب إصلاحه. الثقافة الجديدة يسقط معها مفهوم قدسية الأفراد وحصانتهم إذا ما أريد محاربة الفساد، واجتثاثه من جذوره. الثقافة الجديدة لا يستثنى فيها أحد من المساءلة، وكذلك العقاب إذا ما ثبت ارتكاب الفرد لخطأ متعمد. إن الثقافة الجديدة قوامها حرية الكلمة التي تسمح بطرح متزن يكشف الواقع، ويشير إلى ما فيه دون تجريح بأحد. الثقافة الجديدة لا مكان في للكذب والتدليس، والخداع كما فعل ويفعل النظام السوري مع شعبه، ومع الجامعة العربية، ومع المراقبين العرب، حيث مارس التدليس، وأساليب الخداع التي ظن أنها تنطلي على الآخرين.
الثقافة الجديدة تقتضي أن يشعر الجميع بأنهم في مركب واحد عليهم من الواجبات، ولهم من الحقوق دون أفضلية مسبقة لا تأخذ في الاعتبار المؤهل أو مدة الخدمة أو الخبرة. شعورهم بأنهم في المركب الواحد يجعل الجميع حريصين على المركب من الغرق، ويتنافسون تنافساً شريفاً من أجل المصلحة العامة وليس من أجل مصالح شخصية، أو فئوية ضيقة.
الانسجام بين مكونات المجتمع مهما اختلفت مناطقها، أو أعراقها أو مهنها أو مستوياتها الاقتصادية يفترض أن يكون سمة بارزة بدلاً من الشقاق، والفراق الذي زرعته الأنظمة التي لا تعرف إلا سياسة فرق تسد. سمعت في إحدى القنوات الفضائية أن الرئيس التونسي الجديد وقف ينتظر دوره عند الحلاق، وإن صدق هذا الخبر، فلا شك أن هذا مؤشر على بدء تأثير التغيير الذي حدث في تونس من أجل خلق ثقافة جديدة تحفظ للجميع حقوقهم ولا تفقدهم الاحترام اللائق بهم.
ثقافة الاستئصال، والتفكير العلوي الذي ينظر للذات بتميز وللآخرين بدونية لن يكون لها مكان في المرحلة المقبلة، ولعل ما نشاهده عبر الفضائيات بشأن تعامل النظام السوري مع شعبه، وعمليات القهر والإهانة والإذلال يكشف لنا حماقة هذه الثقافة، وعدم إنسانيتها، ولذا تحرك الشعب السوري من أكثر من عشرة أشهر ضد هذه الثقافة والسعي لتغييرها بما يضمن حياة إنسانية لشعب تعرض للظلم والاستبداد خلال ما يزيد على أربعة عقود.
التفكير بصوت مرتفع، وتكسير حواجز الخوف والرعب الذي غرس في عقول ونفوس الناس وسكن فيها لعقود ستكون إحدى سمات الثقافة الجديدة، وهذا ما نشاهده في مدن وقرى سورية الثائرة ضد نظام غاشم لا يعرف إلا القتل والتدمير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي