رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لهث الجامعات وراء التصنيفات العالمية

نشرت مجلة Science Magazine التي تتمتع بقدر كبير من الاحترام في الأوساط العلمية، مقالة عن دفع الجامعات السعودية مبالغ طائلة لرفع ترتيباتها في تصنيف الجامعات العالمية. ويتم ذلك حسب المجلة عبر توقيع عقود مغرية مع أستاذة وعلماء متميزين مقابل إمضاء أسبوع أو أسابيع قليلة في الجامعات السعودية ووضع اسم الجامعات السعودية ولو بشكل ثانوي على أوراقهم وأبحاثهم المنشورة في الإصدارات العلمية المتخصصة، وذلك بغض النظر عن مشاركة باحثي الجامعة فعلياً في هذه الأوراق والأبحاث. وقد ارتفع عدد المقالات والأبحاث المنشورة باسم بعض الجامعات السعودية بقوة خلال السنوات الماضية، على الرغم من عدم حدوث تغير جوهري في الكوادر التعليمية. ونجحت عدة جامعات سعودية خلال فترة قصيرة من الزمن وبسرعة صاروخية في رفع ترتيبها في تصنيف الجامعات العالمية من المراكز الألفية إلى المراكز المئوية، وتحاول باقي الجامعات السعودية اتباع الأسلوب نفسه لرفع مراتبها في تصنيف الجامعات العالمية. ونجاح بعض الجامعات في رفع ترتيبها بهذه السرعة يثير الريبة والاستغراب، وذلك لاستغراق جامعات العالم العريقة أوقاتا طويلة لتحسين مستوياتها العلمية والوصول إلى مستويات علمية مرموقة. والمعضلة الكبرى من وجهة نظري ليس في استهداف رفع درجة تصنيف الجامعة عالمياً، ولكن في ما قاده اللهث وراء التصنيفات العالمية من تدن مريع في مستويات النزاهة والأمانة العلمية لدى بعض الكوادر التعليمية. فقد ارتفع عدد الأبحاث المنشورة لبعض الأساتذة السعوديين الباحثين إلى مستويات غير معقولة ومقبولة، حتى تجاوز عدد الأبحاث المنشورة لبعضهم 30 أو 40 بحثاً للأستاذ الواحد في العام.
إن ترتيب الجامعات السعودية في الوقت الحالي يضعها في أعلى قائمة الجامعات العربية، كما مكنها من التفوق على عدد كبير من الجامعات اليابانية والأمريكية والأوروبية والتي نرسل إليها آلاف الطلبة السعوديين للدراسة. فإذا كانت جامعاتنا بهذا المستوى الرفيع وأفضل من معظم الجامعات التي يدرس بها الطلبة المبتعثون إلى الخارج، فلماذا نرسل هؤلاء إلى الخارج ونصرف عليهم مبالغ طائلة؟ وإذا كانت جامعاتنا بهذه الجودة فيجب استغلالها لإدرار دخل من قبول الطلبة الأجانب، وذلك من خلال التوسع في قبول الجامعات السعودية لهم، وتحصيل رسوم مالية مرتفعة منهم كما تفعل الجامعات المشهورة. وستشهد جامعاتنا إقبالاً كبيراً من الطلبة الباحثين عن التميز العلمي في جميع أرجاء العالم لو كانت جامعاتنا بهذه المستويات المرتفعة. ولو تدفق الطلبة الأجانب بكثرة إلى المملكة ودفعوا رسوماً مرتفعة مقابل الدراسة في جامعاتنا فستنخفض تكاليف التعليم الجامعي لدينا وترتفع جودته في الوقت نفسه.
ويوجه العديد من المختصين انتقادات لاذعة لجامعاتنا ويتهمونها بصرف مبالغ طائلة وراء البهرجة الإعلامية، وذلك من خلال السعي نحو رفع تصنيفها على المستوى الدولي بأساليب مفضوحة، أو من خلال تبني بعض المشاريع التي لا تمت بصلة لأنشطة الجامعة الأساسية. كما ينتقد البعض تعالي وتعجرف بعض الكوادر التعليمية على الطلبة، وتراجع الأمانة العلمية لعدد منهم، وانخفاض أداء ومهنية جزء كبير منهم، وانتشار بعض مظاهر الفساد المقيتة في الجامعات كالتمييز في قبول الطلبة أو توظيف الكوادر التعليمية الوطنية على أسس جهوية، وقبلية، وواسطة (محسوبية). إن هناك الكثير من التهم التي يوجهها المنتقدون لسياسات وأداء الجامعات، ومن حق المجتمع إجراء تحقيق شفاف وصريح من قبل جهات مستقلة ونزيهة قادرة على إثبات أو نفي صحة هذه التهم ورفع أداء الجامعات. إن الجامعات الحكومية مؤسسات عامة تهم جميع فئات المجتمع وغير هادفة للربح، ولكنها معرضة للاستغلال وغير منزهة عن الخطأ أو الفساد. وقد حظيت الجامعات في الآونة الأخيرة بدعم كبير ووفرت لها مخصصات مالية كبيرة تقوم بعض إدارات الجامعات بإهدارها على برامج ومشاريع ونفقات غير مجدية وقد يشوبها الفساد.
إن أهم ما يطلبه المواطنون من الجامعات تقديم الخدمات التربوية والتعليمية المناسبة والجيدة لأبنائنا وبناتنا وتأهيلهم التأهيل العملي والمعرفي والأخلاقي لخوض معترك الحياة، أما السعي الفج نحو التصنيفات فهو مضيعة للوقت والجهد والمال الذي ينبغي أن يصرف على تعليم أبنائنا وبناتنا، فما فائدة تحسن ترتيب الجامعة إذا كانت مخرجاتها التعليمية متدنية. ولقد سبق أن عملت مع العديد من خريجي جامعاتنا، ومن المؤسف أن نسبة كبيرة منهم تفتقر إلى أبسط مهارات العمل الأساسية. كما سبق لي العمل مع بعض أستاذة الجامعات السعودية، ولاحظت أن كل ما يبحث عنه معظمهم المناصب وليس العمل أو التعلم أو البحث العلمي، بل واستغربت كثيراً من كره بعضهم لأداء العمل أو حتى القراءة، بل اعترف بعضهم بأنهم لا يقرؤون أوراق الطلبة. أما مستويات الأمانة العلمية لدى بعض الأستاذة فقد كانت متدنية وادعى عدد منهم كتابة أبحاث لم يشاركوا بإعدادها، بل وسطوا على بعض أعمال المتعاقدين الأجانب ووضعوا أسماءهم ككتاب رئيسيين على هذه الأبحاث. إن وجود هذه العينة من الكوادر التعليمية يشير إلى انتشار الممارسات الخاطئة في الجامعات مما يتطلب ضرورة إجراء إصلاحات عميقة في الجامعات، بما في ذلك توفير شفافية مطلقة في إنفاق الجامعات، وإجراء تغييرات هيكلية تضمن حقوق الطلبة وتلزم الكوادر التعليمية بحد أدنى من الواجبات وتعاقب خائني الأمانة العلمية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي