أقنعة الموت!
حين تزور أحد متاحف الشمع المنتشرة في أنحاء العالم أو تنظر إلى النصب في الميادين يأسرك ذلك الجمال الذي يكاد ينطق والتفاصيل الدقيقة وتناسق قسمات وجوه تلك التماثيل، ونرجع ذلك إلى إبداع النحات ودقته في العمل، ولم يدر بخلدنا حقيقة هذه الدقة والإبداع!! وكيف استطاعوا مضاهاة الأشخاص الحقيقيين مثل تمثال أرسطو ويوليوس قيصر وتوت عنخ آمون وغيرهم.
فرغبة الفنانين الأوائل في عمل صور تطابق الواقع رغم قلة الإمكانات وعدم وجود وسائل التصوير الحديثة دفعتهم إلى ابتكار حيلة ذكية توفر لهم نماذج وصوراً للملامح الحقيقية لوجوه الملوك والعظماء والقادة والنبلاء تمثلت في صب قوالب لوجوههم بعد وفاتهم، وذلك بوضع رؤوسهم في صناديق خشبية وصب الشمع أو الطين عليها وتركها تجف ثم تنزع تلك الطبقة للحصول على قالب مطابق تماماً لوجه الميت.
وظهرت الآلاف من أقنعة الموت Death mask للعظماء والمشاهير وأصبحت مصدر جذب سياحي.. فالكثيرون يتمنون رؤية الوجه الحقيقي لشكسبير أو نابليون مثلا، ومن أشهر صانعي تلك الأقنعة ''مدام تيسود'' التي كانت تصب القوالب لرؤوس أشخاص قطعت بالمقصلة مثل ملكة إسبانيا ''ماري ستيوارت'' والملكة الدموية ''ماري أنطوانيت''، وهي صاحبة القناع شديد الإتقان لرأس ''ماكسميلان'' المخضب بالدم وهو من أعنف السفاحين على وجه الأرض، حيث أعدم ستة آلاف شخص في ستة أسابيع!!
ومع مرور الزمن لم تعد أقنعة الموت حكراً على المشاهير، بل انتشر استخدامها بين الناس، ومن المثير أن الشرطة ألزمت الأطباء بعمل أقنعة الموت للجثث مجهولة الهوية وكانت تقوم مقام الصور التي تضعها الشرطة في ملفاتها للتعرُّف على المفقودين!
ومن أشهر وأجمل أقنعة الموت (قناع فتاة المسيسبي) بابتسامتها الرقيقة والغامضة والذي يضاهي في روعته لوحة الموناليزا.. فقد تم عمل القناع لهذه الفتاة بعد انتشال جثتها من نهر السين ووجهها تعلوه ابتسامة ساحرة جعلت تمثالها يزين قصور ومنازل الفرنسيين، والغريب أنه رغم ذلك لم يتمكن أحد من التعرُّف عليها ولا على سر ابتسامتها عند وفاتها حتى يومنا هذا، وبقيت مجهولة الهوية.
وفي منتصف القرن الـ 19 ظهرت الكاميرات وانتشر التصوير وبدأت تختفي أقنعة الموت وعمّت موضة جديدة وهي تصوير الموتى الذي لم يعتبر في ذلك الوقت إهانة للميت أو انتهاكاً لحرمته، بل يرون أنه ضرورة لتخليد ذكرى موتاهم الذين يخطفهم الموت باكراً لانتشار الأمراض والأوبئة، ولكن الغريب أنهم يصورون موتاهم في كامل زينتهم وفي أوضاع مختلفة ومع أقاربهم حتى إنك لا تستطيع التفريق بين الحي منهم والميت.. ولم يكتفوا بذلك، بل رسموا أحداقاً لعيونهم ولوّنوا وجوههم ليبعدوا سمات الموت عنها!!
وبما أن حديثنا عن الموتى فلا بد أن نذكر تلك المقبرة العجيبة والقابعة في سرداب تحت كنيسة في جزيرة صقلية يتم فيها عرض جثث الموتى على السياح بتعليقهم على الجدران كاللوحات وهم يرتدون أجمل ملابسهم، فبعض الجثث يتم تحنيطها، والبعض الآخر وجد داخل القبور دون أن يتحلل!! ويرجعون ذلك إلى نوع التربة في المقبرة، وأول من عرض في السرداب الأخ سلفسترو أون عام 1599 وتوالت الجثث، وأصبح الناس أنفسهم يوصون بدفنهم بهذه الطريقة حتى إنهم يحددون نوع الملابس التي سيظهرون بها أمام الناس، والأعجب من ذلك أن البعض يوصي بتغيير ملابسه كل فترة!! ولله في خلقه شؤون.