رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ديوان المراقبة ودعم الرقابة على أداء مكاتب مراجعة الحسابات

خلال فعاليات الملتقى السادس لهيئة المحاسبة والمراجعة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي عقد في مدينة مسقط خلال الأسبوع الماضي، كانت هناك فرصة للقاء أصدقاء المهنة من دول المجلس ومناقشة القضايا المشتركة، وقد قضى الله أن التقي صديقا من الإمارات ودار النقاش معه حول دور ديوان المحاسبة في الإمارات، الذي يقوم بالدور نفسه الذي يقوم به ديوان المراقبة العامة في المملكة، على أن الوضع في الإمارات يختلف من حيث إن لكل إمارة استقلالها في ذلك، ومن بين أهم الأدوار التي يقوم بها ديوان المحاسبة في إمارة أبو ظبي مراقبة أداء المحاسبين القانونيين وخاصة أولئك المراجعين الذين يقومون بمراجعة حسابات الدوائر الحكومية والمؤسسات العامة التابعة للدولة أو الشركات المساهمة فيها. وبهذا فإن ديوان المحاسبة هناك لا يقوم بمراجعة حسابات هذه المؤسسات، بل يكتفي بتقرير مراجع الحسابات القانوني الذي سبق للديوان أن فحص جودة أعماله، واعتمده كمكتب مرخص له بذلك، وهذا الإجراء بشكل عام يوفر جهد الديوان من تكرار عمل المراجعة التي قام بها المراجعيون الخارجيون، وفي الوقت نفسه يضمن للمجتمع تقارير مالية يمكن الوثوق بها، ويحد من ازدواج العمل ومن هدر الموارد.
في المقابل لدينا في المملكة نظام مختلف ومعقد قليلا، فالهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين هي التي تقوم بفحص جودة أداء المراجعين القانونيين، وتجري من أجل ذلك فحصا سنويا لأعمال مراجعي الحسابات يشمل تدقيق أعمال المراجعة ووثائق المكتب وملفاته وفقا لبرنامج علمي متفق عليه ومعد وفقا للمعايير الدولية المعترف بها في هذا الشأن. ويتسم هذا البرنامج وفقا لشهادة كل من تعامل معه بالصدق والموضوعية وتباشر القيام به مجموعة من أفضل الفاحصين. ومن الجدير بالذكر هنا أن الهيئة لا تجرى هذا الفحص من أجل إصدار قوائم معينة للمراجعين الذين يحظر التعامل معهم، فهذا الإجراء غير معمول به في المملكة ولا توجد مثل هذه القوائم، بل تعمل الهيئة على هذا البرنامج لرفع مستوى كفاءة أداء هذه المكاتب حتى تصل إلى مستويات الأداء المقبولة.
هذا البرنامج الذي تقوم به الهيئة ضروري جدا لدعم الثقة بالتقارير المالية التي تصدرها الجهات المختلفة، ويقوم مراجعو الحسابات بتدقيق حساباتها والتصديق عليها. لكن فحص جودة أداء المكاتب التي يقترب عددها من 300 مكتب، عمل ضخم وجهد جبار يحتاج إلى موارد مالية وبشرية كبيرة ومكلفة والهيئة _ مع الأسف الشديد - لا تجد دعما كافيا لمقابلة هذه الأعباء، وهي لم تزل تجاهد وحيدة في هذا الميدان الواسع والخطير التأثير.
من جانب آخر يقوم ديوان المراقبة العامة لدينا بمراجعة حسابات الجهات الحكومية والمؤسسات العامة وحتى الشركات التي تساهم الدولة في رأسمالها. وهو يقوم بذلك من خلال الموظفين التابعين للديوان، الذين ينقص بعضهم كثير من المهارات والخبرات الضرورية. وتتعقد القضية إذا علمت أن بعض هذه المؤسسات والشركات قد حصلت على قروض من صندوق التنمية الصناعي، فهي بذلك تخضع لمراجعة مدققي الحسابات في صندوق. والنتيجة لكل ذلك أن عددا من المؤسسات العامة والشركات تخضع لثلاثة أنواع من المراجعة من ثلاث جهات، المراجعة التي يقوم بها مدقق الحسابات الخارجي، ومراجعة مدققي ديوان المراقبة العامة، ومراجعة من مدققي صندوق التنمية الصناعي.
ولكن إذا عرفنا أن المراجعة - كعلم وعمل - هي تلك العلمية المنهجية التي تخضع للإجراءات والطرق نفسها سواء قام بها هذا أو ذاك، فما الحكمة من هذا التعدد إذا كان من المتوقع أن يصل جميع هؤلاء المدققين إلى النتيجة نفسها كلما التزموا بجودة الأداء المطلوبة. فالمراجعة لن تزداد تحسنا بزيادة عدد مرات تكرار العملية بل بجودة تنفيذ عملية المراجعة نفسها. فمن المعلوم بالضرورة من عمل المراجعة أنه لا يمكن للمراجع أن يراجع جميع السندات ولو أمضى في ذلك السنة المالية كاملة، لذا يقوم المراجعون باستخدام طريقة سحب العينات وتدقيقها ومن ثم الوصول إلى استنتاجات عن باقي السندات التي لم تدقق. دقة نتيجة هذا العمل تعتمد على جودة تنفيذ إجراءات سحب العينة ومن منهجية الوصول إلى النتائج وليس لعدد المراجعين علاقة بالأمر.
إذا وصلنا إلى هذه النتيجة فإن تكرارا عملية المراجعة للشركة نفسها من أكثر من جهة، ليس إلا جهدا ضائعا وهدرا في الموارد فقط. والأفضل من ذلك أن تسهم هذه المؤسسات في دعم جودة أداء المراجعين ومتابعة ذلك بدلا من تكرار عملهم.
لذا أقترح أن يتجه ديوان المراقبة العامة وصندوق التنمية الصناعي لدعم جهود الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين في برنامج مراقبة جودة الأداء، ويمكن لديوان المراقبة وصندوق التنمية الصناعي أن يشترطا على المراجعين الذين يقومون بمراجعة الشركات التي تساهم فيها الدولة والمؤسسات العامة المستقلة، أن يحققوا مستويات جودة معينة وأن يتموا عددا معينا من ساعات التدريب والتعليم المستمر السنوية. إن تضافر الجهود أفضل بكثير من تشتيتها والنتيجة أن يجد الفساد بيئة للنمو بينما تتنازع المؤسسات الحكومية الصلاحيات والنفوذ.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي