حياد الاستثمارات الأجنبية تجاه البطالة
تشير بيانات ميزان المدفوعات التي تصدرها مؤسس النقد العربي السعودي إلى ارتفاع جاذبية اقتصاد المملكة الاستثمارية، وتؤكد ارتفاع أحجام تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة إلى المملكة. وكان حجم تدفقات رؤوس الأموال المباشرة التي تلقاها الاقتصاد السعودي قد بلغ 68.6 مليار ريال في عام 2006م، وارتفع بقوة في السنة التالية إلى 91.2 مليار ريال. ووصل حجم الاستثمارات الأجنبية السنوية إلى أعلى مستوى له في التاريخ عام 2008م، حيث وصل إجماليها إلى نحو 148 مليار ريال. وأدت الأزمة المالية العالمية التي اشتدت في عام 2009م إلى تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى الاقتصاد السعودي بنسبة 8 في المائة، حيث وصلت إلى 136.7 مليار ريال. وانخفضت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية بحدة في عام 2010م حتى بلغت نحو 80.9 مليار ريال، بتراجع نسبته 41 في المائة مقارنةً مع العام الذي قبله.
وعند النظر إلى هذه الأرقام تتبادر إلى الذهن أسئلة عدة حول دقة هذه الأرقام، وعن دواعي تراجع تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية في العامين المنصرمين. وتبدو الأرقام التي تذكرها بيانات ميزان المدفوعات عن تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية السنوية كبيرة، بل وكبيرة جدا، وقد ترتفع شكوك حول حجم هذه البيانات وماهية حصولها بالفعل. فلو حدثت تدفقات الاستثمار الأجنبي بهذه الأحجام فسيكون تأثيرها ملاحظا ومشاهدا بدرجة كبيرة، حيث من المتوقع أن توظف أعدادا كبيرةً من اليد العاملة الوطنية، وتسهم في خفض معدلات البطالة، وترفع معدلات نمو الناتج المحلي. واقترب حجم الاستثمار الأجنبي المباشر المتدفق إلى المملكة في عام 2008م من حجم نظيره إلى الهند والبرازيل. وتوظف الاستثمارات الأجنبية في الهند والبرازيل مئات الآلاف من التقنيين وملايين العمال، بينما تأثير الاستثمارات الأجنبية على التوظيف في المملكة محدود وغير ملاحظ. ويقل حجم الاستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى المملكة في عام 2008 بنحو الثلث عن إجمالي رواتب موظفين الدولة، ولكن تأثيرها في الاقتصاد المحلي والتوظيف محدود، بينما تأثير الرواتب قوي ومحسوس بدرجة كبيرة. ولا تشير بيانات البطالة إلى تراجع في معدلاتها خلال السنوات الماضية؛ مما يثير الشكوك حول صحة حجم تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة الفعلية الواردة في بيانات المؤسسة.
وقد يرجع ارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في عام 2008م جزئيا إلى منح رخصة الاتصالات الثالثة لشركة زين الكويتية والتي دفعت مقابلها مبلغ 24 مليار ريال تقريبا. وإذا ما تم اعتبار ثمن هذه الرخصة جزءا من الاستثمار الأجنبي المباشر فقد يكون ذلك مضللا، حيث إن معظم قيمة هذه الرخصة ديون الكثير منها ممنوح من مصارف محلية، كما أن قيمة الرخصة دخلت رصيد الدولة ولم تأخذ دورتها في الاقتصاد المحلي، ولهذا فإن تأثيرها المباشر في الناتج المحلي والتوظيف محدود جدا. ويستأثر قطاعا النفط والبتروكيماويات بحصة الأسد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهذان القطاعان يوظفان أعداداً قليلةً من العمالة مقارنةً برؤوس الأموال المستثمرة، ولهذا فإن تأثير الاستثمار في هذين القطاعين على التوظيف محدود، ولكن تأثيره في أرباح الشركات كبير. ولا تفيد الاستثمارات في هذين القطاعين كثيرا الشرائح السكانية محدودة ومتوسطة الدخل، أما القطاعات الاقتصادية الأخرى فقد شهدت استثمارات أجنبية محدودة وقليلة التأثير. وإجمالا يمكن الميل للاستنتاج بأن بيانات الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة للاقتصاد الوطني مُبالَغ فيها، وحتى لو كانت صحيحة فإن استفادة الشرائح السكانية منخفضة ومتوسطة الدخل من هذه الاستثمارات محدودة جدا. وهذا يثير جدوى الاستثمارات الأجنبية ومدى استفادة العمالة الوطنية منها، حيث تعمد دول العالم إلى منح حوافز ومزايا للاستثمار الأجنبي من أجل توظيف العمالة الوطنية ونقل التقنية لهذه العمالة. وفي حالة تضاءل مساهمة الاستثمار الأجنبي في توظيف العمالة الوطنية فإن جدوى منح الحوافز والمزايا المالية والقانونية للاستثمار الأجنبي ستظل محدودة. وتمنح المملكة حوافز ومزايا كثيرة للمستثمرين الأجانب؛ مما ساعد في رفع تدفقات الاستثمارات الأجنبية. وتشير تجارب السنوات الماضية إلى تدني مساهمة هذه الاستثمارات في توظيف السعوديين وخفض معدلات البطالة بينهم، بل إن الاستثمارات الأجنبية أسهمت في زيادة تدفق العمالة الأجنبية. وفي حالة صحة هذا الاستنتاج ينبغي مراجعة سياسة منح الحوافز والمزايا للمستثمرين الأجانب، بحيث تقصر على المستثمرين الموظفين للعمالة الوطنية (وليس هناك ما يمنع قصر الحوافز والمزايا الممنوحة للمستثمرين المحليين على الأعمال الموظفة للعمالة الوطنية). إن اشتراط الاستفادة من الدعم والمزايا الأخرى الممنوحة للأعمال (وخصوصا المستثمرين الأجانب) بتوظيف حد أدنى من العمالة الوطنية سيساعد في خفض معدلات البطالة كما سيمرر جزءا من الحوافز المالية والاقتصادية إلى العمالة الوطنية؛ مما سيسهم في رفع أجورها في القطاع الخاص. وكلما ارتفعت معدلات أجور العمالة الوطنية في القطاع الخاص قاد إلى توظيفها في هذا القطاع وقلل من معدلات بطالتها.