مع تواصل تراجع الأسعار: تقلص المؤثرات السياسية والعودة إلى أساسيات السوق النفطية

مع تواصل تراجع الأسعار: تقلص المؤثرات السياسية والعودة إلى أساسيات السوق النفطية

ما بين نهاية آب (أغسطس) الماضي والأسبوع الماضي تراجع سعر برميل النفط قرابة 20 دولارا، الأمر الذي دفع بالخطوتين النيجيرية والفنزويلية إلى القيام بخفض طوعي في حدود 5 في المائة لكل منهما، إلا أن السوق لم تستجب بصورة واضحة، بل واصلت تراجعها، وهو ما يشير إلى نزع بعض العوامل الجيوسياسية التي لعبت دورا في تحديد الأسعار خلال فترة العامين الماضيين.
ويرى بعض متابعي السوق أن عشرة دولارات على الأقل تم نزعها فعلا من سعر البرميل الراهن والمزيد على الطريق. وكانت هذه الإضافة في الأساس بسبب الخوف من انقطاع الإمدادات وعدم القدرة على التعويض عنها خلال فترة العامين الماضيين.
العاملان السياسي والأمني وتأثيرهما في الأسعار ليس جديدا. ويمكن مراجعة سجل طويل من النزاعات السياسية والعسكرية التي أدت إلى سحب كميات من المعروض في الأسواق ونتج عنها ارتفاع سعري. البداية كانت بما عرف بالعدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا، فرنسا، وإسرائيل على مصر عام 1956، وشهد ردة فعل من الدول العربية المنتجة للنفط تمثلت في انقطاع نحو مليون برميل يوميا لفترة أربعة أشهر. وبعد 11 عاما جاءت حرب الأيام الستة عام 1967 ليرتفع حجم الفاقد من الصادرات النفطية العربية إلى مليوني برميل يوميا، لكن ذلك الانقطاع استمر لفترة شهرين فقط، لأن مؤتمر اللاءات الثلاثة الشهير في الخرطوم وجد أنه لا يستطيع الاستمرار في موقف عدم التفاوض والاعتراف بإسرائيل دون تعبئة الجهود لإزالة آثار العدوان، وهو ما يتطلب إنفاقا يمكن توفيره من إعادة ضخ الصادرات النفطية والاستفادة من عائداتها.
وجاءت التجربة الثالثة ذات الأثر البعيد في حرب أكتوبر 1973 عندما تم استخدام سلاح النفط وفق ترتيبات مسبقة، الأمر الذي نجم عنه انقطاع 2.6 مليون برميل يوميا لفترة ستة أشهر، وهذه هي الفترة التي شهدت سعر البرميل يتضاعف أربع مرات إلى نحو 12 دولار. ثم جاءت الثورة الإيرانية لتسهم في أحداث شح في الإمدادات تجاوز ثلاثة ملايين برميل، لكنه شح يعود إلى الخوف من انقطاع الإمدادات وهو ما دفع الأسعار إلى أكثر من 30 دولارا للبرميل.
في العام التالي اندلعت الحرب العراقية ـ الإيرانية وبدأ كل طرف مسعى محموما لتسديد ضربات إلى المرافق النفطية للطرف الثاني، ما أدى إلى انقطاع أكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميا عن السوق لكن لفترة ثلاثة أشهر فقط، ثم جاءت حرب الخليج الثانية عندما غزا الرئيس العراقي السابق صدام حسين الكويت عام 1990 وسحبت 4.3 ملايين برميل يوميا من الإنتاجين العراقي والكويتي لفترة ستة أشهر، ما أسهم في رفع سعر البرميل من 16.5 دولار إلى أكثر من 33 دولارا للبرميل.
وهناك أيضا الإضراب الفنزويلي عام 2002 الذي استمر ثلاثة أشهر وأدى إلى سحب 2.1 مليون برميل يوميا من السوق، ثم الاضطرابات النيجيرية التي بدأت منذ العام 2003 بتعطيل نحو 300 ألف برميل من الصادرات النيجيرية ارتفعت لتبلغ حاليا 800 ألف برميل، أما العراق فمنذ الغزو الأمريكي عام 2003، فإنه إنتاجه النفطي لم يتعاف قط، وتراجع بمقدار مليون برميل يوميا في المتوسط مما كان ينتجه قبل الحرب.
تعدد الأزمات أدى إلى التعايش معها من ناحية، ويظهر ذلك في أن القرار الروسي بسحب الترخيص من مشروع سخالين 2 الضخم أخيرا لم يثر ثائرة السوق، مثلما حدث قبل ثلاث سنوات عندما قامت بوليفيا بتأميم صناعتها النفطية، رغم أن القرار يؤثر في 540 ألف برميل يوميا فقط، إلى جانب وجود ضعف في الطلب بدت آثاره في الاقتصاد الأمريكي. ورغم أن الصين تصنف على أساس أنها لا تزال تتمتع بنمو اقتصادي قوي يصل إلى 9.1 في المائة، إلا أن استهلاكها لا يتجاوز 8 في المائة من حجم الاستهلاك العالمي، كما أنها مثل الاقتصادات الآسيوية الأخرى تخطط لرفع الدعم عن المنتجات النفطية المستهلكة محليا، الأمر الذي قد يساعد على خفض الاستهلاك.
على أن الأهم من ذلك وجود مؤشرات قوية على نمو في الطاقة الإنتاجية ومن ثم الإمدادات خلال السنوات المقبلة، إذ يتوقع أن ما بين عشرة و15 مليون برميل يوميا ستضاف إلى الطاقة الإنتاجية العالمية بين عامي 2010 و2012، وذلك في الوقت الذي ينمو فيه الطلب ما بين سبعة وتسعة ملايين برميل يوميا خلال الفترة نفسها. وكل هذه العوامل دفعت بالعديد من صناديق الاستثمار العاملة في مجال النفط إلى تقليص نشاطاتها، وهو ما انعكس على الأسعار كذلك.

الأكثر قراءة