مأزق الاتحاد الأوروبي

عندما انطلقت الأزمة المالية العالمية وتحولت بعد ذلك إلى أزمة اقتصادية صاحبها ارتفاع كبير في معدلات البطالة، عمل الكثير من الدول على محاولة الخروج من الأزمة بأقصى سرعة ممكنة مستخدمين في البداية أدوات السياسة النقدية، بصفة خاصة خفض معدلات الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر ومحاولة ضخ المزيد من السيولة في جسد الاقتصاد لتحفيز الائتمان المحلي وتشجيع النشاط الإنتاجي الخاص، فضلا عن بعض السياسات النقدية غير التقليدية، مثل التيسير الكمي. غير أن عمق الأزمة وارتفاع المخاطر المصاحبة لها لم يؤد إلى تحقيق النتائج المطلوبة في دفع مستويات الاستثمار الخاص إلى المستويات اللازمة لرفع معدلات النمو والحد من البطالة. لذلك أخذت دول العالم في اللجوء إلى السياسة المالية من خلال تصميم حزم ضخمة من التحفيز المالي في محاولة لدفع عمليات الإنقاذ الاقتصادي، الأمر الذي أدى إلى تحقيق الميزانيات العامة لهذه الدول لعجوزات كبيرة انعكست في ارتفاع معدلات الاقتراض الحكومي وزيادة الدين العام بها ونسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات حرجة.
نظرا للأوضاع الاقتصادية السيئة المصاحبة لضعف معدلات النمو، لم تتمكن الحكومات من تحصيل القدر اللازم من الإيرادات لخدمة هذه الديون، وفي الوقت الذي استمرت فيه معدلات النمو في التراجع في العالم بدأت تطفو على السطح بوادر أزمة أخرى أخطر وأشد، حيث بدأت الأزمة المالية العالمية تأخذ طورا آخر وهو أزمة الديون السيادية للدول، بصفة خاصة في أوروبا، وبات من الواضح أن هناك مجموعة من الدول الأعضاء في منطقة اليورو تواجه مستويات مرتفعة للغاية من الدين، سواء من الناحية المطلقة أو بالنسبة إلى ناتجها المحلي الإجمالي بصفة خاصة في اليونان.
بدءا من الربع الثاني من هذا العام أخذ العالم يشهد تطورات سيئة في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، ففي الولايات المتحدة أخذت معدلات النمو في الناتج بالتراجع على نحو مثير للقلق، حيث بلغت في الربع الثاني من هذا العام 1.3 في المائة، وهو أقل معدل للنمو حققه الاقتصاد الأمريكي منذ أن أعلن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية NBER عن انتهاء حالة الكساد في الولايات المتحدة في نهاية 2009، كذلك تابع العالم بقلق شديد تطورات أزمة رفع سقف الدين العام الأمريكي والتي ترتب على سوء التعامل معها تراجع تصنيف الدين العام الأمريكي لأول مرة في التاريخ.
على الجانب الأوروبي كانت الأمور تسير على نحو أسوأ بكثير، حيث بات من الواضح أن أوروبا تتعرض لصدمتين؛ الأولى هي تراجع معدلات النمو في النصف الأول من هذا العام، خصوصا في الاقتصاد المفتاح بالنسبة لأوروبا وهو ألمانيا. فقد اقتصر معدل النمو على مستوى منطقة اليورو (17 دولة) في الربع الثاني على 0.2 في المائة فقط، كذلك اقتصر متوسط معدل النمو في الاتحاد الأوروبي (27 دولة) على 0.2 في المائة فقط، وبهذا الشكل اقتصرت معدلات النمو السنوي حتى الربع الثاني من هذا العام في كل من الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو على 1.7 في المائة.
من ناحية أخرى، أدى فشل اليونان في الالتزام بتعهداتها حول معدلات النمو وعجز الميزانية المستهدف وفقا لبرنامج الإنقاذ الذي وضعه صندوق النقد الدولي بالتعاون مع منطقة اليورو والبنك المركزي الأوروبي، إلى مزيد من القلق حول مستقبل الأوضاع الاقتصادية والمالية لهذه الدولة، وكان من المنتظر في ظل هذه الأوضاع أن يتم رفض خطة إنقاذ اليونان الثانية على أساس أن اليونان لن تتمكن من استيفاء تعهداتها، وهو ما يعني من الناحية العملية السماح لليونان بالتوقف عن سداد التزاماتها وبالتالي إعلان إفلاسها.
حبس العالم أنفاسه هذا الأسبوع مع تطورات اجتماع القمة الأوروبية في بروكسل والتي تعد واحدة من أطول القمم التي عقدت في العالم على مدى ستة أيام تقريبا، والتي هدفت إلى التوصل إلى حل لمشكلة الديون السيادية من خلال دعم المصادر المالية لصندوق الاستقرار المالي الأوروبي وإيجاد حل لمشكلة اليونان التي أصبح من الواضح أن التعامل معها، دون إعادة هيكلة ديونها السيادية، مجرد تضييع للوقت وتأجيل لموعد إعلان إفلاس اليونان، بل وربما خروجها من الاتحاد النقدي الأوروبي، حتى تتمكن من التعامل مع مشكلاتها بحرية أكبر، نظرا لعدم قدرة الاقتصاد اليوناني على استيفاء المتطلبات المستهدفة منه بموجب اتفاقيات الإنقاذ بسبب ضعف تنافسية الاقتصاد اليوناني على نحو واضح في ظل القيود الحالية التي تفرضها عضويته في الاتحاد النقدي.
لقد ارتفعت معدلات العائد على السندات اليونانية إلى مستويات فلكية، وأصبحت تحمل خصائص سندات الخردة Junk bonds، وازدادت درجة تقلبات الأسواق مع تواتر الأخبار عن الاقتصاد اليوناني، وأصبح اليورو في مأزق خطير نظرا لطول المفاوضات التي جرت في الأسابيع الأخيرة لمحاولة التوصل إلى حل للمشكلة اليونانية، دون التوصل إلى اتفاق ناجع للتعامل مع مشكلة الديون السيادية بشكل عام، والمشكلة اليونانية بشكل خاص.
يوم الأربعاء الماضي طلعت علينا وكالات الأنباء فجرا بأن القمة الأوروبية قد انتهت وأن المؤتمرين قد توصلوا إلى مجموعة من القرارات المهمة والتي نظر إليها، من وجهة نظرهم، بأنها الحل الناجع للأزمة الحالية. التفاصيل العامة لهذا الاتفاق تدور حول ثلاثة جوانب أساسية هي باختصار شديد:
الجانب الأول من الاتفاق تمثل في توصل القمة إلى اتفاق مع البنوك التي تحمل السندات الأوروبية على تخفيض الدين اليوناني بنسبة 50 في المائة، وكانت القمة قد أشارت إلى أن معالجة الأزمة اليونانية لا يجب أن تتحملها الحكومات بصورة أساسية، وأن القطاع الخاص (حائزي السندات اليونانية) لا بد وأن يسهم في حل المشكلة. نسبة الـ 50 في المائة كانت حلا وسطا بين مطالب الساسة بألا تقل نسبة الخفض عن 60 في المائة، وعرض البنوك بألا تزيد نسبة الخفض عن 40 في المائة.
الجانب الثاني من الاتفاق ويتعلق بالبنوك، حيث طلب من البنوك الأوروبية سرعة رفع مستويات رأس المال فيها من خلال بيع بعض أصولها، لمواجهة أي مخاطر مستقبلية يمكن أن تنشأ من اندلاع أي أزمة أخرى للديون السيادية في أوروبا. بالطبع كان لا بد وأن تمنح البنوك مهلة زمنية مناسبة للتخلص من الأصول بأسعار مناسبة حتى لا يترتب على التهافت على عمليات البيع تراجع أسعار أصول البنوك ومن ثم خسارة جانب غير مبرر من رؤوس أموالها، وقد أمهلت البنوك حتى منتصف 2012 لكي تحتفظ باحتياطيات رأسمالية لا تقل عن 9 في المائة من أصولها المرجحة بالمخاطرة.
الجانب الثالث من الاتفاق كان زيادة المخصصات المالية لصندوق الاستقرار المالي الأوروبي بصورة مبدئية إلى ما يقارب التريليون يورو (1.4 تريليون دولارا)، وهو لا شك تسهيل ضخم، لكنه يعكس تعاظم حجم المخاطر التي تواجهها أوروبا، وكانت مخصصات صندوق الاستقرار المالي الأوروبي أساسا تتكون من 440 مليار يورو، انخفضت إلى ما بين 250 إلى 275 مليارا بعد التسهيلات التي قدمت إلى اليونان وإيرلندا والبرتغال. بالطبع هذه الأموال كانت تمثل نسبة صغيرة نسبيا مما يمكن أن يحتاج إليه الاتحاد الأوروبي في حال اندلاع أزمة أخرى.
ولكن ما الذي يجبر البنوك على القبول بخفض أصولها من الدين السيادي اليوناني بنسبة 50 في المائة؟ ألا يؤدي ذلك إلى تحقيق البنوك لخسائر ضخمة تنعكس بصورة حادة على ميزانياتها ومستويات رأسمالها وقد تدفع بعضها إلى إعلان إفلاسه؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تتمثل في أن البنوك في الواقع ليس لديها خيارات للتعامل مع الأزمة، سوى أن تقبل بأي حل يطرح عليها من جانب الحكومات الأوروبية، خصوصا إذا كان هذا الحل مقرونا بوعود لمساعدة تلك البنوك على زيادة مستويات رأسمالها إذا فشلت في تدبير الموارد الرأسمالية اللازمة لمواجهة تدهور نسبة رأسمالها إلى أصولها.
ولكن هل هذا يعني انتهاء مشكلة اليونان؟ من الواضح أن الإجابة هي لا. إذ لا بد من الإشارة إلى أنه بخفض الدين السيادي اليوناني بنسبة 50 في المائة (ليس من بينها الأموال التي قدمت لليونان في إطار خطة الإنقاذ الأولى)، فإن نسبة الدين اليوناني إلى الناتج المحلي يتوقع أن تنخفض إلى 120 في المائة بحلول عام 2020، وذلك مقارنة بنسبة 180 في المائة دون إجراء الخفض. لاحظ أن نسبة الدين إلى الناتج حتى مع الخفض ما زالت مرتفعة جدا، وأن تطورات المشكلة في المستقبل ستعتمد على اتجاهات النمو المستقبلي في اليونان والتي تبدو غير مشجعة على الإطلاق، على الأقل أخذا في الاعتبار السيناريوهات الحالية.
لكن من الواضح أن القمة الأوروبية قد حرصت على الانتهاء سريعا من المشكلة اليونانية والحيلولة دون لجوئها إلى إعلان الإفلاس، لأن ذلك كان سيعزز توقعات الأسواق بأن الاتحاد سيسمح أيضا للدول الأخرى التي تواجه مشكلات في ديونها السيادية مثل إيطاليا بإعلان إفلاسها، ومن ثم انتهاء اليورو والاتحاد النقدي الأوروبي، كما صرح نيكولا ساركوزي.
في الأسبوع القادم، نتابع نتائج القمة الأوروبية ونقيم مدى نجاعة ما تم التوصل إليه من قرارات في التعامل مع مشكلة الديون السيادية الأوروبية، وبمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك، أتقدم بالتهنئة إلى جميع إخواني من قراء "الاقتصادية"، أعاده الله علينا وعليكم وعلى الأمة الإسلامية جميعا بالخير واليمن والبركات، وكل عام وأنتم بخير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي