رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ضياع الإفصاح والثقة في السوق السعودية

<a href="mailto:[email protected]">maalabbas@kku.edu.sa</a>

الإفصاح والشفافية قيمتان ليس لهما مقاييس كمية ويمكن التعبير عنهما بالعبارات الجميلة: جيد، ملائم، كاف أو بالعبارات القاسية: ضعيف، متحيز، وغير واضح. من هنا تواجه الجمعيات والهيئات العالمية المعنية بهذا الأمر صعوبة بالغة في تقييم وضع الإفصاح في محيط عملها بين مدع كفاية الإفصاح وبين من يطالب بالمزيد. من يدعي الكفاية يرى أن المزيد يعني تعريض الشركة لمخاطر المنافسة وخسارة الميزات التنافسية التي تتمتع بها الشركة. ويرى المدافعون عن زيادة الإفصاح والشفافية أن الإدارة تنفرد بالمعلومات دون بقية الأطراف كونها على علم بكل ما يحدث داخل الشركة ومحيطها وأنها لا تفصح إلا عن تلك المعلومات التي تزيد من منافعها فقط. وهكذا يبدو أن الإفصاح قضية شائكة جدا ليس من السهل التعامل معها ولن تحل بمجرد دراسة أو تقرير.
وفي السنوات الأخيرة ازداد التلاعب المالي بشكل كبير وأصبح يشكل خطرا حقيقيا على الاقتصاد العالمي, خاصة أنه يؤدي إلى أو أدى بالفعل إلى فقدان الثقة بالتقارير المالية التي تنتجها الإدارة, ولم تكن لجنة سربنس أوكسلي Sarbanes-Oxley ولا قانونها أو تقاريرها إلا محاولة يائسة لرأب الصدع والقانون واللجنة تعاني الآن من انتقادات حادة جدا. المشكلة الأساسية أن المحاسبة أداة طيعة في يد الإدارة, وذلك لقدرة الإدارة على توظيف التقديرات والأسس المحاسبية, خاصة أساس الاستحقاق Accrual Basis في إخفاء ما تريد الشركة إخفاءه, أو لكي تظهر القوائم المالية حسب رغبات إدارتها. فالمشكلة مشكلة نزاهة أولا وأخيرا وتفاقمت المشكلة أكثر عندما استطاع العديد من المحاسبين الوصول إلى إدارة الشركة وأن يشكلوا الجزء الرئيس من مجلس الإدارة, الأمر الذي مكنهم من استخدام خبراتهم المحاسبية ومعرفتهم بخباياها في التلاعب وإخفاء الحقائق وإظهار التقارير بالطريقة التي تناسبهم.
لا يخفى أن للمعلومات جودة تنبع من ملاءمتها للقرارات التي يريد أن يتخذها المستثمرون, كما أنها لا بد أن تتسم في عرضها بالحياد والقابلية للمقارنة وأهم من هذا وذاك التوقيت الملائم للمستثمر, فالمعلومة التي تأتي متأخرة, كما المعلومة التي لم تأت أصلا ثم فوق كل هذا أن تكون قابلة للفهم بلغة المستثمر البسيط وليس المعقد أو المحترف. ولقد عانت السوق المالية ككل في المملكة من الإخفاق في هذا كله وعدم رغبة الشركات أو إداراتها في مد السوق بالمعلومات الملائمة في الوقت الملائم أيضا تستوي في هذا الشركات الصغيرة الخاسرة والشركات العملاقة الرابحة. القضية أن الإدارة تفصح عما يناسبها فقط لا ما يناسب السوق, وكلمة يناسب هنا تقود المقال إلى أهم ما في عملية الإفصاح والشفافية ألا وهو الأهمية النسبية Materiality وهي تعني ذلك الحجم من المعلومات الذي يؤثر في قرارات المستثمر. بالطبع فإن معلومة عن قضية تعويض بمليون مهمة جدا عند بعض الشركات، عديمة الأهمية عند شركات أكبر. لكن من يحدد هذه الأهمية، أي من يقول إن هذه المعلومة ستؤثر في قرارات المستثمرين أو إنها لن تؤثر؟ المشكلة أن الإدارة تنفرد بهذا القرار المهم جدا مع مشاركة المراجع في بعض الأحيان. صحيح أن الهيئات العاملة تنص على الإفصاح لكنها لا تستطيع على وجه الدقة أن تحدد ما يجب الإفصاح عنه وما لا يجب لأنه ليس كل ما في الشركة من معلومات يعتبر مهما فتعيين موظف أرشيف غير تعيين مراجع أو عزله أو اختيار عضو مجلس إدارة أو عزله لكن ما هو المهم وكم قيمته هذه أكبر القضايا وأكثرها إشكالية ويد إدارات الشركات مطلقة هنا والمجتمع المالي العالمي عاجز عن تقييدها.
ما يقودني إلى مناقشة موضوع الإفصاح بهذا العمق هو ما يدور من تصريحات وتصريحات مضادة حول ما تعرضت له شركة المواشي المكيرش من تلاعب مالي وصل إلى مليار ريال. بمقياس الأهمية النسبية الذي ذكرته سابقا فإن هذا المبلغ مهم جدا والسؤال الأهم هو: ما فائدة الإفصاح إذا لم يقابله فعل أو ردة فعل من قبل السوق وهيئته واللاعبين الأساسيين فيه؟ وإذا كان السؤال هو: كيف تستطيع شركة إخفاء تلاعب بهذا الحجم؟ وأين دور مراجع الحسابات في هذا الشأن؟ فإن الأكثر حيرة هو كيف يمر تصريح بهذه الأهمية والخطورة مرور الكرام على السوق والهيئة ووزارة التجارة والغرف التجارية؟ وأين الإجراءات النظامية التي لا بد القيام بها للتأكد من صحة التصريحات والادعاءات في حق الإدارة السابقة ومراجعي الحسابات؟ ثم، والعودة إلى موضوع الإفصاح، لماذا يتم الإعلان عن مثل هذه المعلومات للسوق وفي هذا الوقت بالذات؟ هل هو الالتزام بالشفافية والإفصاح أم أن للقضية أبعادا أخرى والرواية مازالت في أولها؟ هل ستلتزم الإدارة الجديدة للشركة بهذا المستوى من الشفافية أم نقول صلى المصلي لأمر كان يقصده فلما انتهى الأمر لا صلى ولا صام؟ تلاعب بمليار ريال لا نعرف الأهداف من ورائه! وهل هناك قضية جنائية كاختلاسات أم ماذا؟ وهكذا فإن فالقضية لم تعد قضية إفصاح بل ردة الفعل على هذا الإفصاح أيضا.
ومما يؤكد تعجبي واستفساراتي أن يصدر مثل هذا التصريح الهائل مع الإشارة إلى أن الشركة تتعرض الآن لخطر التصفية لخسائر بلغت 75 في المائة من رأسمالها ومع ذلك لا يتأثر السهم بقوة بل يحقق تداولات كبيرة جدا. لذلك فإن الأمر يحتاج إلى حزم شديد مع المضاربين في هذه الشركة, خصوصا الآن، وأرجو ألا يبسط الأمر بكلمة أن السوق غير واعية أو متفهمة لأني لا أعتقد أن مضاربا سيحرق الملايين والمليارات من أمواله هكذا هباء.
ليست "المواشي المكيرش" ولا مضاربوها هم الذين أعلنوا إعدام الإفصاح والشفافية والثقة في القوائم المالية ومراجعو الحسابات لدينا فقط, بل كان لشركات أخرى كثيرة قصب السبق في ذلك. وإذا كان على هيئة السوق المشاركة مع هيئة المحاسبين القانونيين أن تدرس مستوى الإفصاح فلا بد ألا تنسى دراسة مستوى ردة فعلها على الإفصاح وردة فعل السوق والمؤسسات الحكومية الأخرى. وإذا كنا نتحدث عن الشفافية وضياع الثقة فإن للحديث عن الصناديق الاستثمارية شجونا وأي شجون.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي