التطورات الأخيرة في أسواق النفط .. من المبكر إعادة النظر في سياسة الإنتاج

أدت المخاوف بشأن سلامة الاقتصاد العالمي بالتضافر مع تفاقم مشاكل الدين الحكومي في منطقة اليورو وقيام وكالة ستاندرد آند بورز بخفض تقييمها للتصنيف الائتماني للدين الحكومي الأمريكي إلى انخفاض حاد في أسعار النفط، حيث هبط سعر خام غرب تكساس الوسيط في مطلع أب (أغسطس) إلى ما دون 80 دولارا للبرميل لأول مرة منذ تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي، في حين انخفض خام بحر الشمال برنت إلى ما دون 100 دولار للبرميل ولأول مرة منذ شباط (فبراير) من هذا العام. في الوقت نفسه قامت معظم المنظمات الدولية المعنية بشؤون الطاقة والمراكز والمؤسسات الاستشارية بخفض توقعاتها الخاصة بنمو الطلب العالمي على النفط وللأسباب نفسها.
بعد انتعاش الطلب العالمي على النفط خلال العام الماضي بسرعة أكبر مما كان متوقعا نتيجة التحسن الكبير الذي طرأ على الاقتصاد العالمي، حيث نما الطلب العالمي على النفط أكثر من 2.5 مليون برميل يوميا في المتوسط في عام 2010، يجابه اليوم النمو في الطلب العالمي على النفط خطر التراجع مرة أخرى. حيث من الممكن أن يتراجع نمو الطلب في عام 2011 نتيجة تباطؤ النمو الاقتصادي، ولا سيما في البلدان المثقلة بالديون السيادية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إضافة إلى البرتغال، أيرلندا، إيطاليا، اليونان وإسبانيا. النمو الكبير في الطلب الذي شهده العالم في العام الماضي أدى إلى سحب نحو 400 ألف برميل في اليوم من المخزون العالمي وتراجع الطاقات الإنتاجية الاحتياطية، على الرغم من بقائها عند مستويات عالية نسبيا. كما أسهمت الاضطرابات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خصوصا في البلدان المنتجة للطاقة، وتعطل الإمدادات في ليبيا إلى تراجع أكثر في المخزون وخفض الطاقات الاحتياطية المتاحة. في ظل هذه المتغيرات أسواق النفط تعمل في ظروف نوعا ما شديدة Tight، وقد تعاني اختلالا في التوازن بين العرض والطلب لصالح الطلب حتى نهاية عام 2011 على أقل تقدير.
إن توقعات نمو الطلب العالمي على النفط لم تكن قوية جدا لهذا العام قبل أحدث تقييم لوكالة الطاقة الدولية، وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية ومنظمة الدول المصدرة للنفط ''أوبك''، لكنها لم تكن ضئيلة في الوقت نفسه. في تقاريرها الأخيرة قامت هذه الوكالات بخفض توقعاتها لنمو الطلب على النفط استجابة للتوقعات الاقتصادية غير المشجعة خصوصا للدول الصناعية.
في أحدث تقاريرها الشهرية عن أسواق النفط قامت منظمة ''أوبك'' بخفض توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط لعام 2011 بنحو 150 ألف برميل يوميا إلى 1.21 مليون برميل يوميا، مشيرة إلى ضعف الاقتصاد العالمي. في هذا الجانب تشير منظمة ''أوبك'' أيضا إلى مشاكل الديون السيادية في الولايات المتحدة وأوروبا وخطر التضخم في الاقتصاديات الناشئة كتحديات للنمو. وتشير أيضا إلى أن مزيدا من الانتكاسات الاقتصادية في بلدان منظمة التعاون والتنمية يمكن أن يقلل من توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط بنحو 200 آلف برميل يوميا أخرى لهذا العام.
في الوقت نفسه أبقت توقعات وكالة الطاقة الدولية نمو الطلب العالمي على النفط لعام 2011 عند 1.2 مليون برميل يوميا، لكن هذه التوقعات مبنية على توقعات النمو الاقتصادي لصندوق النقد الدولي التي مضى عليها حتى الآن ما يقرب من شهرين، ويقر التقرير بأنها قد تكون متفائلا جدا، حيث تشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد العالمي من المتوقع أن ينمو بنحو 4.2 في المائة في عام 2011. إضافة إلى ذلك، لدى وكالة الطاقة الدولية سيناريو آخر للنمو الاقتصادي بنحو 3 في المائة سنويا، في ظل هذا السيناريو تتوقع الوكالة أن يتباطأ نمو الطلب العالمي على النفط إلى 860 ألف برميل يوميا هذا العام، وفقط 630 ألف برميل يوميا في العام المقبل.
في حين يشير تقرير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى انكماش الطلب الأمريكي على النفط لهذا العام، حيث قامت بخفض توقعاتها السابقة المتواضعة لنمو الطلب الأمريكي بنحو 180 ألف برميل يوميا.
أما من ناحية العرض، استمرت الإمدادات النفطية من المنتجين من خارج دول منظمة الأقطار المصدرة للنفط Non-OPEC في تحدي التوقعات من وصول الإنتاج النفطي فيها إلى ذروته في وقت مبكر. إنتاج النفط في هذه الدول آخذ في الارتفاع مرة أخرى في عام 2011، لكن أبطأ مما كان متوقعا سابقا، نتيجة الحوادث، مشاكل فنية وصيانة غير مخطط لها في بحر الشمال، إضرابات في الأرجنتين والغابون، تخريب في اليمن، عواصف استوائية في أستراليا، وحرائق في كندا. مجموع الإنتاج من جميع هذه التوقفات كبير ومؤثر، من المرجح أن يحد من نمو إنتاج النفط من خارج دول منظمة أوبك لهذا العام ككل. في ضوء التطورات الأخيرة من المتوقع أن ترتفع الإمدادات النفطية من خارج دول منظمة أوبك بنحو 0.6 مليون برميل يوميا أو أقل بقليل هذا العام، أي نحو نصف المعدل في 2010. لكن معظم هذا النمو في الإمدادات متوقع من كندا ومصادر جديدة في تشكيلات الصخر الزيتي في الولايات المتحدة المحصورة في الأسواق الداخلية حول شيكاغو وأوكلاهوما بسبب نقص البنية التحتية وخصوصا خطوط الأنابيب. إضافة إلى ذلك، إنتاج دول منظمة أوبك من سوائل الغاز الطبيعي والمكثفات النفطية والسوائل النفطية غير التقليدية من المتوقع أن ينمو بنحو 0.4 مليون برميل يوميا أو أكثر قليلا في عام 2011.
ما يضع إنتاج النفط من خارج دول منظمة أوبك ومن سوائل الغاز الطبيعي والمكثفات النفطية والسوائل النفطية غير التقليدية من دول منظمة أوبك أقل من توقعات نمو الطلب العالمي على النفط الحالية.
إن العديد من أعضاء منظمة أوبك تنتج حاليا بطاقتها القصوى، أما تلك التي قادرة على زيادة إنتاجها، فإنها تنتج بالفعل عند مستويات عالية. على سبيل المثال كان الإنتاج السعودي في الشهر الماضي نحو 9.7 مليون برميل يوميا على الأقل، وهو أعلى مستوى له منذ تموز (يوليو) 2008. على الرغم من كل هذا، يرى بعض المحللين أن إنتاج أعضاء منظمة أوبك لا يزال غير كاف لتلبية حاجة الأسواق العالمية من النفط، مؤكدين أن الأسواق فقدت ما يقرب من 1.6 مليون برميل يوميا من إنتاج ليبيا منذ آذار (مارس)، وهذا وحده أكثر من الزيادات الأخيرة في إنتاج ''أوبك''. لكن قيام المنتجين الرئيسيين من أعضاء مجلس التعاون الخليجي برفع الإنتاج رفع إنتاج منظمة أوبك إلى أكثر من 30 مليون برميل يوميا في تموز (يوليو) وهو أعلى مستوى له هذا العام، وفقا لتقديرات ''أوبك'' الأخيرة، ما يعوض عن فقدان النفط الليبي بسبب الصراع الدائر هناك.
مع ذلك لا يزال هناك عجز في ميزان العرض والطلب على النفط لمصلحة الطلب لما تبقى من السنة، بغض النظر عن مصدر الإمدادات. حتى مع أخذ التخفيضات الأخيرة في الاعتبار، الأرقام الخاصة بالتقرير الشهري لمنظمة أوبك تظهر أن الطلب على نفطها الخام في النصف الثاني من هذا العام لا يزال 900 ألف برميل يوميا أكثر مما أنتجت في تموز (يوليو). هذا العجز يجب أن يتم تعويضه من المخزون، أو عن طريق زيادة إنتاج النفط من دول المنظمة أو افتراضيا عن طريق زيادة كبيرة في أسعار النفط بما يكفي لخفض الطلب، وتحقيق التوازن في الأسواق. مثل هذه الزيادة في الأسعار في حد ذاتها ستكون خطرا على انتعاش الاقتصادي العالمي الهش بصورة متزايدة.
قد يكون الركود الاقتصادي هو أحد الحلول لمعالجة عدم التوازن بين العرض والطلب، ذلك أن التداعيات الكبيرة للاقتصاد العالمي يمكن أن تقلل الطلب على النفط بصورة كبيرة جدا، على سبيل المثال، انخفض استهلاك النفط أكثر من أربعة ملايين برميل يوميا في الربع الأول من عام 2009 مقارنة بالفترة نفسها من العام الذي سبقه. ارتفاع أسعار النفط ربما يسهم في ركود وتراجع مزدوج للاقتصاد العالمي. لقد تم تداول نفط خام بحر الشمال القياسي برنت بأكثر من 100 دولار للبرميل لأكثر من ستة أشهر حتى الآن، أي بنحو شهر واحد أطول مما تم تداوله قبل الركود الذي بدأ في أيلول (سبتمبر) 2008، لكن تكرار ما حدث في عام 2008/2009 لم ينعكس بعد في توقعات الطلب العالمي على النفط حتى الآن. لقد تم أخيرا خفض توقعات نمو الطلب على النفط، لكن ليس بصورة كبيرة جدا، حيث ما زالت معظم التوقعات تشير إلى إمكانية نمو الطلب على النفط بنحو 1.2 مليون برميل يوميا هذا العام.
إن توقعات انخفاض الطلب العالمي على النفط أذكت من جديد الجدل بين بعض المنتجين على إعادة النظر في سياسة الإنتاج. حيث يشير البعض من أعضاء منظمة أوبك إلى أن المنظمة قد تتشاور بشأن عقد اجتماع استثنائي إذا ما استمرت أسعار النفط في الهبوط، على الرغم من أن المنتجين الرئيسيين من أعضاء مجلس التعاون الخليجي، مثل المملكة، أقل تعاطفا في الوقت الحاضر مع هذا الطرح.
في الواقع، إنه ''من المبكر'' بالنسبة لدول منظمة أوبك النظر في خفض إنتاجها النفطي في الوقت الحاضر، حتى لو تراجعت أسعار النفط ما دون 100 دولار للبرميل، حيث تشير أرقام المنظمة نفسها إلى عجز في ميزان العرض والطلب على النفط في النصف الثاني من العام إذا استمرت في الإنتاج بمعدلات تموز (يوليو) نفسها.
إن الاستجابة للتقلبات اليومية في أسعار النفط كانت ممكنة خلال فصل الربيع الماضي عندما تأثرت الأسواق العالمية للنفط من الهبوط المفاجئ في إنتاج ليبيا، حيث تطلب الأمر من الجميع تقييم إذا ما كان هذا الوضع سيستمر أم لا. لكن الوضع اليوم مختلف تماما نظرا لأن الأسعار تنخفض تارة وتتذبذب تارة أخرى، إلا أنه لا يزال من غير المبرر والمبكر الرد على تقلبات الأسعار على المدى القصير. أولا نحن في حاجة إلى الحصول على صورة أوضح ربما خلال الشهر المقبل أو نحو ذلك، على ما سيكون عليه الطلب العالمي على النفط في عام 2012 وما بعده. من الواضح أن هذا هو مصدر القلق الرئيس الآن.
الأساس المنطقي لخفض إنتاج النفط لا يزال غير قوي، على الرغم من التوقعات الأخيرة بضعف الطلب العالمي على النفط، حيث إن التوقعات باستمرار ضعف الطلب العالمي على النفط غير مؤكدة بعد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي