رسائل من مستثمر صغير في سوق الأسهم (3) ..السوق بلا تحليل
<a href="mailto:[email protected]">maalabbas@kku.edu.sa</a>
مع احترامي رقم الأرباح وقائمة المركز المالي ومكررات الربحية والمتوسطات وانحرافاتها المعيارية وكل ما تعلمته في مادتي الاستثمار والمحاسبة المالية، مع احترامي كل هذا لو كنت أعرف أن سهم شركة المواشي ومكيرش سوف ينطلق من 9.50 ريال حتى يصل إلى 47 ريالا وخلال هذه الفترة القصيرة على الرغم من تجزئة الأسهم وإيقاف المضاربين والهبوط الكبير، لو كنت أعرف كل ذلك لبعت كل ما أملك وليس بكثير, واستدنت من كل من أعرف وأغلبهم مدينون، ولاقترضت من كل البنوك التي من المحتمل أن تقرضني وهي قليلة ولرميت كل تلك المبالغ في سهم شركة المواشي وليقل المحللون ما يريدون ولله الأمر من قبل ومن بعد. ولو كنت أعرف قبل الانهيار الكبير أن أسهم شركتي سابك والراجحي سوف تهبط حتى لا أجد من يشتريها مني على رغم القوائم المالية والأرباح والتوزيعات ونداءات المنظمين لما اشتريت تلك الأسهم ولو بفرسن شاه. هكذا هو حال كل مستثمر دخل سوق الأسهم السعودية ويندب حظه أن سمع كلام التحليل والعقل والمنطق الاستثماري السليم.
وإذا كانت السوق المالية للربح والحصول المشروع على المال فلماذا يلام كل من اتجه نحو شركات المضاربة التي تحقق الربح السريع إذا انتعشت السوق وهي أول من يفيق من الأزمة إذا انتكست؟ هل فشلت النظرية الاستثمارية في وصف حال السوق السعودية والتنبؤ بها؟ أم نحن بحاجة إلى صياغة فلسفة سوقنا بعيدا عن تنظير القارة العجوز؟ أم أن القضية قضية عدم رشد استثماري أو أنه حصل ما كنت أعتقده وأومن به أن الأسهم الرديئة سوف تخرج الأسهم الجيدة من التداول؟ هل الانهيارات لدينا لتصحيح المسار أم لتغذية الاتجاه نحو الأسهم الرديئة؟
للأسف لا توجد إجابة علمية شافية عن كل هذه الأسئلة لقلة الدراسات المتخصصة وتركيز مكاتب الاستشارة والاستثمار على خدمة الشركات وإغفال الخدمات الموجهة إلى السوق ككل أستثني من ذلك بعض المكاتب التي أخذت على عواتقها تقديم خدمات بحثية جيدة ولكنها تفتقر إلى تعاون مؤسسات البحث العلمي وعلى رأسها الجامعات.
وعلى الرغم من الصعوبات فإنه يمكن تشخيص حالة السوق في وجود مشكلة توزيع أعداد الأسهم بين الشركات ومشكلة توزيع السيولة على الشركات المدرجة. فتجد أن السوق تنقسم بين شركات ذات أسهم قليلة يمكن لمضارب واحد التلاعب بأسعارها وهناك شركات تحتاج أسهمها إلى اتجاه عام من قبل كبار المضاربين وتوجيه فاعل للسيولة. وبعبارات أكثر وضوحا فإن هناك أسهما ثقيلة جدا وأسهما خفيفة جدا وقد تسبب التوزيع السيئ للشركات في هذا من حيث الحجم والأسعار وكذلك التوجيه الرديء للسيولة مع فقدان الثقة بين الجميع. ولأن الكل يرغب في الحمل الخفيف بالطبع، اتجهت السيولة المتاحة في الصناديق الاستثمارية ولدى كبار المضاربين إلى الشركات الأخف وزنا حيث يستطيع المضارب السيطرة على سعر السهم واستدراج السوق نحو المبالغة في التسعير ومن ثم الدخول في تصريف متدرج عند مستويات متعددة ذات أسعار متزايدة في تغرير مالي واضح, ولا عزاء للصغار.
وإذا كنت لا ألقي اللوم على أحد, خاصة إذا كنا نتبع نظما رأسمالية صرفة إلا أن الرشد الاستثماري في السوق يجب أن تقوده الصناديق الاستثمارية. ومع القبول بفكرة التركيز على الأرباح الرأسمالية قصيرة الأجل في الشركات ذات الأسهم القليلة إلا أن المدى السعري الذي يتم التداول على أساسه قد خرج عن سيطرة الجميع, وهنا مكمن الخطورة الأساسي في هذه المرحلة. وإذا كانت هذه الأساليب تروق للسوق كونها تمكن الجميع من استعادة بعض الخسائر في دعم واضح لتحالفات غير معلنة بين الصغار والكبار، إلا أنها شديدة الخطورة على المدى البعيد وما زال الجميع يمني النفس بأنه أول من يخرج قبل الهبوط .
في المقابل تتجه السوق إلى عدم المضاربة في الشركات القيادية لأنه لا يمكن لمضارب واحد أن يؤثر في السهم، ولكن مما يثير العجب أن الهروب من هذه الشركات يصبح عنيفا عند أي اهتزاز يمس السوق نظرا للتجربة القاسية التي خاضها كل من غامر واستثمر في هذه الأسهم. والمشكلة الأكثر تعقيدا أن هذه الأسهم تزداد ثقلا كلما ازدادت سعرا مما يعني تعزيز الاتجاه نحو الشركات الأقل أسهما مع مرور الوقت. وتبقى نقطه جيدة في صالح هذه الشركات بما تملكه من معلومات جيدة تستطيع من خلالها جذب السوق نحوها, وهو الأمر الذي لن يحدث في ظل الإدارة السيئة للمعلومة التي تعتمدها الشركات القيادية, فمن تكتم لا معنى له لا يفيد أحدا بشيء إلى تسريب المعلومات للخاصة وذوي النفوذ. تحتاج السوق من هذه الشركات وفي الوقت الحالي إلى معلومات محفزة جيدة وصحيحة وليس إلى تكتم لا معنى له. يحب أن تفرق هذه الشركات بين الحرص على أسرار الشركة وحاجة السوق إلى المعلومات الرسمية الصحيحة في الوقت المناسب.
وهكذا فإن السوق تنقسم إلى سوقين, سوق للأسهم ذات الأعداد القليلة مع محاولات إدارية لضخ معلومات مستمرة إلى السوق تساعد على تحفيز السهم وتغييرات إدارية إلى مناقصات وصفقات مع اهتمام واضح ومستمر من قبل المحافظ الكبرى، وسوق أخرى للشركات العملاقة ذات الأسهم الكثيرة التي تفتقد في الوقت نفسه الإدارة الجيدة للمعلومة وبتجاهلها احتياجات السوق من المعلومات تصبح كمن يسحب أنبوب الأوكسجين من مريض العناية المركزة أو كمن رماه مكتوفا في اليم وقال له إياك أن تبتل بالماء.
وفي رأيي أن السوق لن تستقيم طالما الحال كما هي وأن الأخطار ستتفاقم ولا بد للهيئة من الاستعجال في موضوع تقسيم السوق وتوزيع الشركات بطريقة موزونة بحسب آلية واضحة تهتم بعدد الأسهم في كل شركة ومستوى الإفصاح فيها ومصداقيته.