جدة.. تزعل وتغضب وتحتج على قرار اليونسكو!
فجأة وبعد طول انتظار قررت اليونسكو أن تحرم مدينة جدة من أن ترتدي فستان الفرح وتنال شرف الجلوس على الكرسي الوثير الذي كان يجب أن تتربع عليه هذه المدينة اليافعة ضمن المدن التي لديها تراث عالمي مميز.
وكانت هيئة السياحة والآثار قد تقدمت بملف جدة التاريخية إلى اليونسكو لتسجل المدينة السمراء في سجل التراث العالمي الخالد.
وحينما رفعوا الملف إلى اليونسكو طرزت جدة فساتين الفرح ووقفت مع المحترمين تنتظر، ولكن اليونسكو خيبت آمال المدينة الجميلة التي ولدت منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وطوال هذه السنين المديدة لم تفقد جدة عذريتها ولا جمالها، وعاصرت أطواراً من التاريخ القديم والحديث، وحملت المدينة البهية الكثير من الذكريات، والكثير من البصمات حتى أصبحت كنزاً من كنوز المعرفة الإنسانية والتاريخ المشرق لمنطقة شهدت العديد من الحضارات الإنسانية التي جابت هذه المنطقة، ولو فركنا يد جدة لأخرجنا منها الكثير من الكنوز والمعارف التي ما زالت لم تكتشف بعد.
وكان أقل ما يجب أن تقدمه اليونسكو إلى سيدة المدائن باقة اعتراف لهذا الماضي المجيد الذي يحمل في طياته كنوزاً من المعرفة وعقولاً رأينا بصماتها في شوارع المدينة وفي معمارها ومساجدها ومدارسها وفي أزقتها ومنعطفاتها، وفي ناسها وبشرها الذين كانوا شموعاً تتلألأ بثقافات ازدهرت بها المنطقة في حقب متفاوتة من تاريخ عريق يضرب في عمق أكثر من ثلاثة آلاف سنة.
وفي تاريخ جدة الكثير من المحطات والتباشير، ومن تباشير الفرح يوم استقبلت جدة الملك عبد العزيز ــــ يرحمه الله ــــ في عام 1344 من الهجرة، وغنت له أغنيتها الفولكلورية الشهيرة حبا حبا باللي جا.. يا مرحبا باللي جا.
ليس صحيحاً أن جدة عرفت الدنيا في عهد الخليفة الجليل عثمان بن عفان ـــ رضي الله عنه ــــ، ولكن الحقيقة أن جدة كانت مدينة شابة مكتملة النمو قبل العصر الإسلامي، وكانت جدة ميناء بحرياً يقدم الخدمات لكل أنحاء المنطقة، ويسهم في بناء المدن والثقافات التي ارتفعت قاماتها في هذه المنطقة، وكانت وما زالت دهليزاً للمدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة.
لقد كان لجدة التاريخية أربعة أبواب وأربع حارات، وحينما بدأت تكبر كبرت شرقاً، صوب مكة المكرمة، ثم بعد ذلك كبرت شمالاً صوب المدينة المنورة، وارتاحت في تمددها إلى الشمال حتى ابتلعت ذهبان وثول بعد أن أنهت تمددها العمراني إلى مكة المكرمة واتصلت بها، هذا التمدد العمراني الجارف شرقاً وشمالاً أكد أن جدة مدينة تتمتع بالحيوية والنمو.
مدينة جدة.. مدينة ثرية واضحة المعالم، تشبه البنت الجميلة التي تفيض حيوية وشقاوة، وهي مريحة للنفس وللعين وللقلب، تشعر وأنت تسير في شوارعها بأنك تدخل أحشاءها وتزور شواطئها وأسواقها ومطاعمها وتتبضع في متاجرها، كأنك تعرف كل ناسها وكل أركانها وكل جحرانها..
وإذا كان البعض يوصمها بالتبرج، فإنها ليست متبرجة، ولكنها ليست منكفئة على نفسها، وليست مغرورة بجهل، ولا متصابية بابتذال، ولا تشعرك بالغربة، بل هي مدينة تغمرك بالمدنية وتشعرك بالدفء والأمان، مدينة تضمك إلى صدرها من أول نظرة ومن أول زيارة.. جدة مدينة حضارية تحترم ساكنيها، وتحافظ على قيمها الجمالية مثل حدائقها المنفتحة التي تغازل زوارها، وشواطئها الباسمة التي تمد لك شفاهها حتى تستوعب مشاعرك وأحاسيسك.
جدة مدينة لا ترضى بالضيم والظلم، إنها مدينة تتمتع بتقاليد وسلوكيات راقية، وجدة تمثل مكاناً أثيراً ليس بالنسبة للمملكة وليس بالنسبة للمدينتين المقدستين (مكة المكرمة والمدينة المنورة)، وإنما بالنسبة لكل مدن ودول البحر الأحمر، فهي تقع في خاصرة البحر الأحمر، في سرته وفي وسط وسطه، وهي مدينة تجمع ولا تفرق.. تحتضن ولا تمزق.. تجذب ولا تنفر.. تعطي ولا تستكثر.. تحب ولا تكره.
وفي جدة معالم حضارية مميزة ومن معالمها الكبرى مدارس الفلاح وسوق البدو وبيت نصيف والكنداسة وميناء جدة الإسلامي وجامعة الملك عبد العزيز ومسجد عثمان بن عفان.
وإذا كانت اليونسكو لم تقف على تاريخ هذه المدينة الذكية اللامعة، فأحسب أن الملف الذي تقدمت به الهيئة لم يكن مدججاً بالمعلومات التاريخية الرصينة، ولذلك لم تقتنع اليونسكو بذخائر هذه المدينة الثرية، ولذلك فإن اليونسكو تحتاج إلى التعرف على مزيد من المعارف والكنوز.
وخيراً عملت هيئة السياحة والآثار، حينما استعادت الملف لتعيد إعداده بما ينصف المدينة الزاهية، والمطلوب الآن هو مواصلة الاتصال باليونسكو ومعرفة أسباب رفض طلب الاعتراف بالمنطقة التاريخية لمدينة جدة ككنز من كنوز التراث العالمي الخالد.
إن فن العمارة في جدة وحده كاف لكي يكون كنزاً من كنوز المعرفة الإنسانية، كاف لكي يدرس على الملأ كيف كانت تبنى المدن، وكيف كانت تشاد المعاقل، وكيف كانت العقول الجداوية ترسل بريق المعرفة للإسهام في بناء الثقافات والحضارات.
ودعونا نقول حقيقة وهي أننا تقدمنا إلى اليونسكو متأخرين، ذهبنا إلى اليونسكو بعد أن اقتحمت المباني الحديثة أجزاء كبيرة من المنطقة التاريخية وسطت المباني الحديثة على المباني القديمة، وبدت أجزاء كبيرة من المنطقة التاريخية وكأن الكراهية والعبط قد مزقها إرباً إرباً.
إن ما بقي في جدة التاريخية من آثار لا يكفي لكي يكون تراثاً عالمياً خالداً، والمطلوب الآن أن نعيد بناء ما يمكن إعادة بنائه، ولنبدأ ببناء سور جدة العظيم، ففيه الكثير من إبداع فن العمارة في العصور الحضارية الغابرة.
جدة تستحق منا جميعاً أن نقف معها ونعطيها تعظيم سلام، لأنها مدينة تستحق أن نحترمها ونكرم ماضيها وتاريخها.