ملاحظات على الاكتشاف النفطي الأمريكي
شكّل خبر الاكتشاف النفطي الكبير في خليج المكسيك الأسبوع الماضي الحدث الأبرز داخل الولايات المتحدة وعبر الصناعة النفطية بصورة عامة. فالاكتشاف يأتي في الوقت الذي تعيش فيه الصناعة حالة من عدم التوازن وفقدان الاتجاه لتلازم العديد من العناصر التي تزلزل الاستقرار، خاصة في الجانب السياسي والأمني، واستمرار التصاعد في الطلب وبقاء الأسعار في معدلات عالية، الأمر الذي بدأ يلقي بتأثيره في شكل تباطؤ في النمو الاقتصادي وعودة نظرية ذروة النفط إلى ساحات النقاش العام على أساس أن مخزونات العالم المؤكدة من النفط تم اكتشافها وتحديدها، وأنه جار استنزافها بصورة يومية.
ومن المصادفة أن يأتي الاكتشاف في أول دولة تعاني من الوصول إلى ذروة إنتاجها النفطي والتحول إلى الانحدار بعد ذلك: الولايات المتحدة، التي بلغت تلك الذروة قبل ثلاثة عقود، لكنها كونها تستهلك برميلا من كل أربعة يستهلكها العالم وكونها صاحبة أكبر اقتصاد فإن ما يجري فيها يلقي بتأثيراته على الساحة النفطية بصورة عامة. فحجم الاستهلاك الأمريكي الذي تجاوز 20 مليون برميل يوميا يحتاج إلى المزيد من الإمدادات.
حجم المخزون في الاكتشاف الجديد لا يزال موضع جدل، لكن في الحد الأعلى قد يصل إلى 15 مليار برميل، وهو ما يكفي لاستهلاك عامين، ولو أنه يحتاج إلى فترة قد تصل إلى خمس سنوات لتطويره.
يلفت النظر في الاكتشاف بداية أنه تم في مياه عميقة، أعمق مما تم من قبل في مناطق بحر الشمال وغرب إفريقيا، الأمر الذي يشير إلى أن تقنية الحفر في الأعماق موعودة بتطورات كبيرة، وأنه بتحسن الإمكانيات والتقدم التقني يمكن تحقيق العديد من الاختراقات، وبالتالي الوصول إلى موارد نفطية لم تكن متاحة من قبل. ووصف بعض المحللين من الذين يتابعون أوضاع الصناعة النفطية أن منطقة خليج المكسيك التي تم فيها الاكتشاف تعتبر أفقا جديدا للعمل ترتاده هذه الصناعة.
الملاحظة الثانية أن الاكتشاف قام به كونسورتيوم تقوده شركة شيفرون الأمريكية، ويضم أيضا العملاق النرويجي "ستات أويل"، الأمر الذي يعطي بعض الأهمية إلى وجود عنصر أجنبي حتى بالنسبة للشركات العملاقة مثل "شيفرون".
من الناحية الأخرى، فإن الاكتشاف سيسهم إلى حد كبير في تكثيف الجدل في الجانب البيئي، وإلى أي مدى يمكن فتح العديد من المحميات الطبيعية أمام عمليات الحفر والتنقيب بحثا عن النفط والمزيد من الإمدادات، كما تطالب خطة الرئيس جورج بوش للطاقة المجازة العام الماضي.
لكن من الواضح أن الاكتشاف لن يسهم في توفير تأمين أكبر للاحتياجات الأمريكية، سواء على المستويات: السياسي والاستراتيجي أو حتى التجاري الذي يجري الحديث عنه من باب تحقيق أمن الطاقة. فلا الكميات التي سيجري استخراجها ستكون كافية لإرواء العطش الأمريكي المتزايد للمزيد من الإمدادات ولا الوقت المتوقع لاستخراج هذه الكميات، وهو خمس سنوات، يبدو قصيرا بما يشكل لا تغييرا آنيا ينتظر. وعندما تكتمل الدورة الكاملة للنشاط الإنتاجي، فإن الاحتياجات الاستهلاكية تنتقل إلى ذرا جديدة.
ولهذا فإن الاكتشاف لن يسهم في تحقيق نقلة نوعية فيما يتعلق بمقابلة الاحتياجات الأمريكية، التي ستظل معتمدة على السوق الخارجية لسد الفجوة بين الإنتاج المحلي المتناقص والاستهلاك المتزايد.
الولايات المتحدة اتبعت لها استراتيجية تقوم على السعي ما أمكن في تقليل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط ومنطقة الخليج تحديدا بدعوى أنها منطقة مضطربة وليس من الحكمة في شيء رهن احتياجاتها النفطية عليها. لكن التجارب الماثلة تشير إلى خطأ هذا الرأي، وأن الأمر أكثر تعقيدا من هذا التبسيط. فنزويلا القريبة شكلت أحد ثلاثة مصادر، إلى جانب السعودية وكندا، لتزويد السوق الأمريكية باحتياجاتها، لكن المواجهة السياسية مع نظام الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز وضعت الإمدادات الفنزويلية في مرتبة تتميز بخطر أعلى من تلك القادمة من الخليج.
ولفترة أخرى سادت نظرية التحول إلى إفريقيا لتشكل بديلا لنفط الخليج. رأس الرمح في هذه النظرية الإمدادات النيجيرية، التي عانت خلال الأشهر السابقة من عدم الاستقرار الناجم عن متاعب سياسية داخلية، الأمر الذي أعاد كرة الأسئلة عن نوع الاستقرار المطلوب، وهو استقرار لا بد من أن يلقي بظلاله على كل السوق ويأخذ في الاعتبار هموم الآخرين واهتماماتهم.
<p><a href="mailto:[email protected]">asidahmed@hotmail.com</a></p>