كلية للدراسات الحضرية لمواجهة تحديات المدن
<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>
تحدثت في مقال الأسبوع الماضي عن أن هناك توجها نحو التخصصات العلمية والتقنية على حساب العلوم الاجتماعية, وأن ذلك مبني على الاعتقاد أن العلوم التطبيقية والبحتة هي الوسيلة نحو التقدم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وخلصت إلى أن هذا التوجه أصبح يشكل عائقا أمام تطوير البرامج والتخصصات في حقول العلوم الاجتماعية ويفوت الفرصة نحو تطوير كليات اجتماعية تسهم في التصدي للمشكلات الاجتماعية، إضافة إلى أن النظام الإداري في الجامعات واعتماده على المركزية الشديدة وعدم منح الأقسام الأكاديمية صلاحيات إدارية ومالية تمكنها من تطوير برامجها، كل ذلك أدى إلى تعطيل كثير من المشاريع الأكاديمية المهمة, التي تعكس احتياجات اجتماعية تتمثل في التقليل من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يعانيها المجتمع, ويأتي في مقدمتها الدراسات الحضرية والإقليمية. ومع أن الخطط التنموية للدولة على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية، تشير إلى أهمية تأهيل متخصصين في مجالات التخطيط الحضري والإقليمي لدعم خطط التنمية المستقبلية وتدعم أنظمة المناطق، والاستجابة إلى المستجدات الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن أقسام التخطيط الحضري والإقليمي لم تلق الاهتمام المطلوب وظلت تعاني قصورا في الموارد بدلا من التطوير وتحويلها إلى كليات.
إن أهمية إنشاء كلية للدراسات الحضرية تكمن في طبيعة مجال التخطيط الحضري والإقليمي المتعددة والمتداخلة التي تمكنها من التصدي ومعالجة القضايا والمشاكل الحضرية والإقليمية المعقدة. ولذا فإن كلية للدراسات الحضرية في أقسام وتخصصات متنوعة قادرة على استيعاب خريجي التعليم العام وتزويدهم بالمعارف والمهارات المطلوبة في القطاعات الحيوية التنموية المختلفة، وإعدادهم مهنيا لتأكيد دورهم في توجيه التطوير والتنمية الحضارية المتسارعة على جميع مستويات البيئة المحلية والحضرية والإقليمية والوطنية، يتطلب هذا التطور خدمات مهنيين على دراية تامة بتأثير الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية في البعد المكاني وملمين بطبيعة التفاعلات البيئية وأساليب التقويم البيئي.
وقد يكون أحد أهم الدوافع إلى إنشاء كلية للدراسات الحضرية تنامي الدور الذي تلعبه المدن في التنمية الاقتصادية على المستويين الوطني والعالمي في ظل اقتصاد عالمي يلغي الحدود ويحرر التبادل التجاري ويعتمد على المنافسة الكاملة في التعامل، ما يوجب إعداد كوادر تمتلك مهارات عالية في مجالات التخطيط الحضري والإقليمي يؤهلها لوضع الخطط والسياسات القادرة على مواجهة المتغيرات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية وتطوير المدن والأقاليم لتكون أكثر إنتاجا، أكثر أمنا، أكثر راحة لسكانها، وأقدر على المنافسة العالمية. وقد يكون الحدث الأهم في هذا السياق انضمام السعودية إلى منظمة التجارة العالمية وما يستدعي من تفعيل الموارد التنموية وإعداد الكوادر القادرة على المنافسة العالمية وتنمية وتطوير الاقتصاديات المحلية.
إن التطورات الإدارية والسياسية التي شهدتها المملكة بإصدار نظام الحكم، إنشاء مجلس الشورى، إصدار نظام المناطق، تفعيل المجالس البلدية والانتخابات البلدية, وما يتبع ذلك من خطط تنموية على المستويين المحلي والإقليمي، تتطلب كوادر وطنية مؤهلة تأهيلاً عالياً يحقق رؤية ولاة الأمر وطموحات المواطنين ويرتقي بمستوى المدن والأقاليم. إن ما يجب إدراكه هو أن تفعيل أدوار المجالس البلدية يتطلب مهارات في إعداد الاستراتيجيات والخطط والسياسات والميزانيات وهذا ما تقدمة بالفعل برامج التخطيط الحضري والإقليمي، فهي الوحيدة ذات النظرة الشمولية في تناول القضايا الاجتماعية. فالتخطيط المكاني يتضمن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والسياسية وكل ما يتصل بالمجتمع الحضري. إذ إن قضايا المدن معقدة ومتشعبة ومتداخلة، وهذا يستلزم بالضرورة تخصصا كالتخطيط الحضري والإقليمي تتداخل فيه عدة تخصصات ليكون قادراً على التعامل معها فهما ومعالجة. وهنا يجب تأكيد أن التخصص بطبيعته يتصف بالمرونة بحيث يتم تطويره بشكل مستمر ليشمل موضوعات مستجدة وقضايا لم تكن معهودة في السابق وتتطلب الدراسة والبحث ووضع المقترحات والحلول.
من هنا كان من الضروري الأخذ في الحسبان التطورات التي طرأت في قطاعات متعددة في الاقتصاد الوطني مثل العقار والإسكان، السياحة والتراث، النقل والتلوث البيئي, التي تعتبر من المجالات التي تعنى بها الدراسات الحضرية والإقليمية.
هذه القطاعات الجديدة جميعها تستلزم لضمان نجاحها دراسات وأبحاثا وكوادر مؤهلة لقيادة تلك القطاعات وتحقيق أهدافها. الافتراض هنا أننا حرصاء على عمل الأشياء بالطريقة الصحيحة, وهو افتراض أساسي ويجب أن يكون حاضرا في الأذهان، وإلا فإن الحديث عن التطوير وتحسين الأداء يكون مضيعة للوقت لا طائل من ورائه.
ما يجب إدراكه ونحن نتحدث عن أهمية إنشاء كلية للدراسات الحضرية هو أن الأوضاع قد تغيرت من الناحية السكانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقنية والفكرية. فعلى سبيل المثال قدر عدد سكان السعودية عند توحيدها عام 1932 بنحو مليوني نسمة، 20 في المائة منهم فقط يسكنون في مناطق حضرية بينما تضاعف العدد ثماني مرات خلال ستة عقود ليصل إلى 16.9 مليون نسمة حسب تعداد عام 1992، واستمرت الزيادة المطردة للسكان لتصل ما يقارب 20.8 مليون نسمة عام 2000، أي بنسبة زيادة 23 في المائة على ما كان عليه عام 1992م.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد السكان في السعودية سيبلغ 45 مليون نسمة كتقدير متوسط عام 2020، ويتوقع أن 88 في المائة من إجمالي السكان يقيمون في مناطق حضرية. هذه الإحصاءات السكانية المذهلة إذا ما أضيف إليها الاتساع الجغرافي للسعودية، وما يتبعه من تباين اقتصادي واجتماعي وثقافي وتضاريس بين المناطق، وبالتالي خصوصية المشاكل والمعوقات لكل منطقة ومدينة، تشير إلى ضرورة تأهيل الباحثين المتخصصين في الدراسات الحضرية والإقليمية. لقد أصبحت المدن تشكل ثقلا سياسيا يجب الالتفات إليه والاهتمام به ليس من جانب زيادة عدد المشاريع والخدمات العامة، ولكن أن تتناسب هذه المشاريع مع احتياجات السكان كما ونوعا.
إن طبيعة المشاكل التي نواجهها في المدن في الوقت الحاضر ليست ذاتها التي كانت قبل عقدين بل حتى قبل عقد من الزمان. فالتغيرات السكانية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية تلقي بظلالها على المجتمع وأفرزت ظواهر وسلوكيات لم نعهدها من قبل.
إنه تغير سريع لم نستطع استيعابه حتى الآن، وبالتالي أخشى أننا نقف مكتوفي الأيدي دون أن نعلم ماذا علينا فعله! لم يعد بالإمكان التعامل مع قضايا ومشاكل المدن بحلول جزئية لأنها أكثر تشابكا وتعقيدا من قبل, وحتى نتمكن من وضع الحلول الناجعة نحتاج إلى حلول سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تنظر إلى القضايا بنظرة شمولية وتعالج المشاكل من جميع الجوانب. إن تفعيل مجالس البلديات وانتخاب أعضائها مؤشر إيجابي على إدراك أهمية إحداث تغيير في اتخاذ القرار العام المحلي وتحسين إدارة المدن، وهي بلا شك خطوة في الاتجاه الصحيح على طريق طويل مملوء بالتحديات والعقبات. وهذا يظهر جليا الحاجة إلى إنشاء كلية للدراسات الحضرية تسهم في معالجة مشاكل المدن أو على أقل تقدير التقليل من تبعاتها.
يجب أن نراهن على المستقبل والمبادرة في العمل الآن, فالحاضر مزرعة المستقبل. فما نقرر عمله الآن نجنيه لاحقا، لذا كان علينا المبادرة في إعداد الكوادر والدراسات والبحوث التي تمكننا من التعرف على المشاكل وتحديدها والتخطيط لمدن تنعم بالأمن والأمان والراحة والإنتاجية.
وإذا ما كانت هناك قناعة بإنشاء كلية للدراسات الحضرية فقد يكون من المناسب إنشاؤها في جامعة الملك فيصل في الدمام، بتحويل قسم التخطيط الحضري والإقليمي إلى كلية للدراسات الحضرية. كونه أول قسم أنشئ ليقدم برنامجين للماجستير والدكتوراة في مجال التخطيط الحضري والإقليمي على مستوى المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى برنامج البكالوريوس. وتتوافر لديه الخبرة التعليمية والبحثية والاستشارية، ويتولى خريجو القسم مناصب قيادية عليا في أجهزة الدولة والقطاع الخاص، ما يدل على نجاح القسم في تأهيلهم وتزويدهم بالمهارات المطلوبة.
إن ما يشجع على تبني فكرة إنشاء كلية للدراسات الحضرية والإقليمية في جامعة الملك فيصل دعم المهتمين والمختصين في مجالات الدراسات الحضرية والإقليمية مثل العقاريين والبلديات وقطاعي النقل والسياحة لها منذ اليوم الأول لطرحها كمقترح.
ستسهم الكلية - بإذن الله - في إعداد الدراسات والبحوث وتأهيل الكوادر من المتخصصين في إعداد الاستراتيجيات التنموية على جميع المستويات من خلال:
* تفهم الأسس التاريخية والنظرية للتطور الحضري والإقليمي، وإدراك الجانب المادي للحضارة في إطار القيم التقليدية العربية والإسلامية والمحافظة عليها من خلال الخطط التنموية والنظم الإدارية.
* رفع قدرة الدارسين على تقويم التأثيرات البيئية الكامنة في السياسات والبرامج وتطوير مهارات البحث المرتبطة باستخدام الأساليب الإحصائية والتحليلية وغيرها.
* اكتساب الدارسين المهارات التعبيرية والرمزية والبيانية والحاسوبية اللازمة لعمل الخطط وشرحها وتعلم طرق وأساليب إعداد التقارير العلمية والمهنية.
* تطوير القدرات القيادية والتنظيمية والإدارية في تخطيط وتنفيذ البرامج والمشاريع التنموية.
* إعداد خريجين في مجالات الدراسات الحضرية والإقليمية ذوي مهارات عالية في البحث العلمي الأكاديمي والتطبيقي قادرين على العمل في مجلات عديدة, أهمها:
* مجال التدريس والبحث العلمي: لسد الاحتياجات المستقبلية المتزايدة المطلوبة من المتخصصين في مجالات الدراسات الحضرية والإقليمية للعمل في القطاعات الاقتصادية الواعدة.
* مجال تطوير المهارات التخطيطية للقيادات الإدارية المحلية: القائمة على العمل البلدي والمسؤولة عن قطاعات التنمية الاجتماعية والاقتصادية في الإدارات والهيئات والمؤسسات المحلية في المملكة.
* مجال البحوث والدراسات التطبيقية المتخصصة: للعمل في المؤسسات الحكومية والخاصة المهتمة بفعاليات التخطيط الحضري والإقليمي ولتقديم الخبرة الاستشارية والمهنية المتخصصة للقيادات المحلية في وضع خطط وسياسات تنموية فاعلة على أسس علمية سليمة تلبي احتياجات وتطلعات المجتمع المحلي.
ويبقى السؤال: هل يتحول قسم التخطيط الحضري والإقليمي إلى كلية للدراسات الحضرية؟ هذا مرهون بقناعة أصحاب القرار في الجامعة ووزارة التعليم العالي والمؤسسات والقطاعات الأخرى ذات الصلة بأهمية إنشاء مثل هذه الكلية. إلا أن الخلفية التخصصية لوزير التعليم العالي في مجال التخطيط المكاني ونظم المعلومات الجغرافية وحرصه على أن يسهم التعليم العالي في حل المشكلات الاجتماعية يزيد من التفاؤل وتهيئة الفرصة ليرى المشروع النور، وهو بلا شك مشروع وطني رائد يستحق الاهتمام والأولوية.