إصلاح الإدارة الحكومية العربية ممكن أم أنه سعي وراء السراب؟
هناك شكوى ومعاناة يشعر بها عامة الناس من جراء انخفاض كفاءة وضعف أداء الإدارات الحكومية في البلاد العربية، وهذا حكم عام لا يخل به وجود استثناءات. إن تطوير الإدارات الحكومية متطلب ومكون أساسي من متطلبات ومكونات تنمية الاقتصاد.
التطوير الإداري الحكومي مفهوم واسع ويرمي إلى تطوير مستمر في أداء الجهاز الحكومي، ورفع كفاءة العاملين فيه من جوانب عديدة مثل تصنيف الوظائف، الهيكلة الإدارية، التنظيم الإداري، توزيع العمل والصلاحيات والمسؤوليات، خطوات وإجراءات إنجاز الأعمال، تقييم أداء الإدارات مهنيا وإداريا، تطبيق التقنية، إدارة المالية العامة، والإدارة القائمة على النتائج والإصلاحات التنظيمية... إلخ. طبعا مراجعة وإصلاح قوانين الخدمة المدنية هي في قلب إصلاح الإدارة الحكومية.
وبداية، من المهم جدا التنبه إلى أنه من غير المقبول الاقتصار على ما تقوله الأجهزة الحكومية عن نفسها في عملية التطوير، بل يجب سماع آراء المستفيدين، وكذلك المقارنة بما لدى دول أخرى مشهود لها بالتطور الإداري.
وعادة ما يقصد بالحكومة السلطة التنفيذية، ولكن سلطات التشريع والقضاء تشترك في بعض النقاط مع السلطة التنفيذية، وتختلف عنها في بعض آخر بحكم خصائصها.
هناك عديد من الدول المتطورة إداريا، ولكن ذلك لم يقف دون إجراء إصلاحات جذرية فيها. وحاليا نشهد موجة إصلاحات حكومية ذات طابع مالي في بعض دول أوروبا وخاصة في جنوبها.
وهناك تحديات تعترض الإصلاحات في الدول النامية، أذكر منها مدى قناعة القادة السياسيين، وأحيانا تحول رغباتهم دون إصلاح حقيقي.
وإذا انتقلنا إلى فلسفة الإصلاح، نجد عدة اتجاهات تؤثر في إصلاح الإدارة الحكومية في الدول النامية.
هناك اتجاه يرى تقليص دور الحكومة في الاقتصاد، وتطبيق مبادئ إدارة القطاع الخاص على المنظمات الحكومية. وقد يرى البعض أن هذا الاتجاه ما هو إلا محاولة جديدة لربط إدارة التنمية بمنهج غربي موحد نحو إصلاح الإدارة الحكومية.
ولكن من الممكن مناقشة ذلك، بأن الأصل هو حرية البشر اقتصاديا، بغض النظر عن مستوى التطور الاقتصادي والمادي.
إصلاح الإدارة الحكومية مع التركيز على العميل، وترك المركزية، والفصل بين وضع السياسة وبين تنفيذها، بما يكسب أعمال الحكومة بعضا من خصائص الشركات.
تقليل مصروفات الحكومة عن طريق الخصخصة، ولكن نجاح هذا المسعى يتطلب إعدادا مسبقا يستند إلى مستويات عالية من الضبط والتنظيم والحوكمة والنزاهة والموارد البشرية المؤهلة، ولذا انتهى كثير من التجارب إلى الفشل.
من المسؤول عن تطوير الإدارة الحكومية؟
استعراض التجارب العربية دولة دولة مجهد، وخارج مجال المقال، ولذا سأتناول المملكة فقط.
توجد في كل وزارة - حسب علمي - إدارة تحت اسم ''التطوير الإداري''، ولكنها إدارة محدودة القدرات والسلطات، ولا توجد جهة مركزية لديها القدرات والصلاحيات الكافية لتطوير أو إعادة بناء الإدارة الحكومية، والعمل على متابعة وتقييم أداء الأجهزة الحكومية.
هناك معهد الإدارة العامة، ولكن المعهد تغلب عليه مهمة التدريب، وتنقصه الصلاحيات والموارد البشرية المؤهلة الكافية لإحداث تطوير إداري نوعي.
تسليما بوجود مشكلة بطء الإنجاز، يعمد المسؤولون القياديون بين حين وآخر إلى كتابة توجيهات يؤكدون فيها على وجوب الاهتمام بمصالح الناس وسرعة إنجازها، ولكن مفعول هذه التوجيهات ضعيف جدا، بل هو أقرب إلى المعدوم، لأن المشكلة عميقة متجذرة لا يؤثر فيها التوجيه الكلامي أو الكتابي.
هل علاج أو الحد من هذه المشكلة وغيرها من مشكلات الإدارة الحكومية مؤسسي يكمن في إحداث وزارة للتطوير أو التنمية الإدارية الحكومية؟ مع القناعة بأهمية الجانب المؤسسي في عملية التطوير، فإنها لا تكمن بالضرورة في استحداث وزارة أو جهاز مستقل، بقدر ما أنها ترجع إلى توفير تنظيم كفء للإصلاح أو التطوير الإداري، تتوافر فيه المهارات وآليات العمل، مقرونة بتوافر الصلاحيات الكافية. من جهة أخرى، فإن استحداث تلك الوزارة سيتسبب في تضارب مصالح واختصاصات مع مجلس الخدمة المدنية، ووزارة الخدمة المدنية.
أرى إعادة بناء الأجهزة الإدارية المسؤولة عن تطوير الخدمة المدنية بمعناها الواسع، كمجلس الخدمة المدنية ووزارة الخدمة المدنية، ومعهد الإدارة العامة، بما يجعل من ضمن اهتماماتها الأولى تطوير الإدارة الحكومية، والتعاقد بين حين وآخر مع خبرات أجنبية عالية التأهيل والخبرات في جوانب تطوير الإدارة الحكومية، وذلك للعمل مع الخبرات المحلية. وفي هذا الإطار يفترض وجود تنسيق وتنظيم ووضع سياسات وآليات التطوير الإداري المراجعة من عقول محلية وأجنبية، والملزمة للإدارات الحكومية.
ومن المهم ألا يكون هناك تجاهل لتنظيمات عامة تمارس دورا أساسيا في عمليات تنمية الإدارة الحكومية، وعلى رأس هذه التنظيمات مجلس الشورى ومجالس المناطق والبلديات. ويتزامن مع ذلك السعي الجاد لمحاربة الفساد الإداري.
وبالله التوفيق.