رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


السعودة والوظيفة الحكومية

استحدثت وزارة العمل برنامج نطاقات، وأثيرت حوله انتقادات واستفسارات. ولكنني أرى أن الخرق أوسع كثيرا من أن تعالجه النطاقات. ربما كان البرنامج مسكنات. بل جاءت قرارات الحكومة في توظيف نحو 200 ألف سعودي ومعها زيادات في الرواتب لتزيد من صعوبات السعودة.
لنقرأ البيان التالي الصادر قبل سنوات من وزارة العمل:
''.. وأوضحت الوزارة أن الفرصة مواتية لتوظيف أعداد أكبر من طالبي العمل في القطاع الخاص. لأن هناك وظائف كثيرة لا تزال متاحة لدى مكاتب العمل في جميع مناطق المملكة، كما لاحظت الوزارة وبكل أسف أن كثيرا من المواطنين لا يسعون إلى الاستفادة من هذه الفرص مفضلين الانتظار للحصول على وظائف في القطاع الحكومي، بدلاً من القطاع الخاص، بمبررات مثل مستوى الأجر والاستقرار الوظيفي وغير ذلك من المبررات الأخرى...''.
البيان نشر في بعض الصحف يوم الثلاثاء 14 جمادى الأولى 1426 (21 يونيو 2005). ويبدو أن التفكير من بعض المسؤولين وأصحاب القطاع الخاص لم يتغير. هناك جهل أو تجاهل لمبادئ بسيطة للسلوك الاقتصادي. وهذا مبرر لإثارة الموضوع من وقت لوقت.
يسعى كل فرد إلى الحصول على أفضل الأسعار. هذا المبدأ البديهي، لا ينطبق فقط على المستهلكين، بل ينطبق على أصحاب الأعمال والشركات والمؤسسات عند وضعها سياسات التوظيف، واستئجار القوى البشرية، وينطبق أيضا على الراغبين في الحصول على عمل. الجميع يبحث عن أفضل الأسعار.
البحث عن أفضل الأسعار بالنسبة للأخيرين (أعني الراغبين في الحصول على وظيفة) يعني البحث عن أفضل المستحقات من رواتب وغيرها، مأخوذا في عين الاعتبار عوامل ذات صلة في تقييم المستحقات مثل مقدار الأجر، ودرجة الاستقرار والأمان الوظيفي، وطول الدوام ونوعية العمل، ومدى إمكان استمرار العمل أو إنهاء/ فسخ العقد من عدمه... إلخ.
أفضل سعر لا يكون في أكثر الأوقات متاحا فورا، بل يتطلب بعض الوقت للبحث عنه، وكلما كان التفاؤل أكبر بالحصول على هذا السعر الأفضل، كان الحافز على البحث والانتظار أقوى. هذه مبادئ تحكم سوق العمل (تماما مثلما تحكم سوق السلع والخدمات الأخرى).
فهم هذه المبادئ والاقتناع بها لا يتطلب دراسة أكاديمية في الاقتصاد، ولا خبرات علمية، لأنها تصرفات تتفق مع السلوك البشري العادي، ونمارسها يوميا في حياتنا.
وباختصار فإن البحث عن أفضل الأسعار ليس مجرد نظرية، بل هو تصرف طبيعي، وقانون يحكم سلوك الإنسان العاقل.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لبيان وزارة العمل؟
المبررات التي تأسّف عليها بيان وزارة العمل هي مبررات أساسية عند البشر حال البحث عن وظيفة.
من عوامل نجاح سياسات واستراتيجيات وسياسات العمل والتوظيف مراعاتها للسلوك الطبيعي. حتى تتقارب جاذبية الوظيفة الحكومية مع جاذبية الوظيفة في شركة (من غير الشركات الكبرى) يجب ألا يقل راتب الشركة عن راتب الحكومة بمرة ونصف، إذا تساوت المؤهلات والخبرات.
صعب تنفيذ هذا.
لقد أدمنا الاستقدام، حتى اعتمدنا على الغير في أداء كثير من الأعمال البسيطة، التي يؤديها أبناء الدول الأخرى، حتى ولو كانت غنية متطورة اقتصاديا كالدول الغربية.
تكيفت بيئة العمل (كساعات عمل المحال.. إلخ) على أساس اعتمادنا على غير السعوديين، ودخل التكسب الريعي ليزيد الطين بلة، فأصبح الاستقدام مصدر رزق بحد ذاته، بدلا من أن يكون أداة ووسيلة لسد نقص.
مرونة الإحلال بين المواطنين وغير المواطنين في القطاع الخاص منخفضة وازدادت انخفاضا مع الوقت.
في الغالب أن الوافد أقل تكلفة وأكثر إذعانا من المواطن لرغبات صاحب العمل، وأحد أهم الأسباب أن الوافد تحت طائلة العقاب بصورة أعلى كثيرا من المواطن (مثلا الخوف من إعطائه خروجا نهائيا).
ومن ثم فإن تكالب كثير من المواطنين على الوظيفة الحكومية يتفق مع السلوك الطبيعي، وهذا التكالب يعني أن هناك تجزئة في سوق العمل.
تجزئة سوق العمل تعني وجود سوق عمل مجزأة إلى جزءين أو أكثر، لكل جزء ظروف سوقية (أجور وساعات عمل وأمان وظيفي... إلخ)، تتفاوت فيما بينها تفاوتا جوهريا دون مبرر. وتستند التجزئة إلى أساس قطاعي أو جنسي أو عرقي أو إقليمي أو ديني ونحو ذلك. من أوضح أمثلة تجزئة سوق العمل وجود قطاع حكومي بظروف سوقية تختلف اختلافا بينا عن ظروف سوق العمل في القطاعات الأخرى غير الحكومية.
التحليل الاقتصادي لسوق العمل يبين أن تجزئة سوق العمل تضر بالاقتصاد أكثر مما تنفع، فهي على سبيل المثال تخلق أو تعمق مشكلات اقتصادية هيكلية تأثيرها بعيد المدى في الإنتاجية والتوظيف (وعكسها البطالة) وتوزيع الموارد وعدالة الفرص. ونظرا لهذه الأضرار فإن دولا كثيرة تسن تشريعات للحد منها.
المطلوب تقليل الفروق بين نظامي ولوائح العمل والخدمة المدنية، أو زيادة الدعم للتوظيف في القطاع الخاص زيادة ملموسة إلى حين الوصول إلى حلول استراتيجية. وهذه الحلول الاستراتيجية يجب أن يكون أحد مرتكزاتها حرية انتقال العامل أو ما يسمى بالتحليل الاقتصادي labor mobility.
وزيادة الدعم تعني زيادة موارد صندوق تنمية الموارد البشرية، وزيادة موارده لها متطلبات وهكذا.
ومع زيادة الدعم، مطلوب تطوير استراتيجية الدعم، ولا أظن هذه النقطة تخفى على المدير العام الجديد للصندوق.
وبالله التوفيق،،،

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي