رؤية جديدة في إدارة مؤسسات التعليم العالي
لم تكن مناسبة احتفاء كلية إدارة الأعمال في جامعة الملك سعود بعمدائها وخريجيها الأوائل وإعلان بدء برنامج الشراكة مع منظمات الأعمال ليمر دون أن يكون للدكتور عبد الله العثمان مدير الجامعة وقفة مع رؤيته الاستراتيجية التي يحملها في ذهنه وبين جنباته ويحفظها عن ظهر قلب، فهي من بنات أفكاره وشغله الشاغل والجسر الذي يعده لتعبر الجامعة من فوقه نحو المستقبل. تنظر إليه يرتجل كلمته بكل حماس واقتدار، بطاقة متدفقة وحيوية ونشاط، ليشعل في نفوس الحضور الرغبة والقناعة بالعمل والإنجاز والنجاح، ما يجعلك تتساءل كيف له أن يبقى بهذا النشاط والحيوية والحماس وكأنه تسلّم مهام عمله بالأمس القريب. لقد أخذ بألباب الحضور واستحوذ على انتباههم بخطاب جديد وعميق في إدارة التعليم العالي مليء بالمفاهيم غير المعتادة بنبرة تفاؤل مستقبلية جريئة وحازمة ورسالة واضحة لما ينبغي عمله. السر وراء ذلك أنه يفعل ما يقوله ويقول ما يفعله، هذا التلازم والموازنة بين النظرية والتطبيق لا يستطيعه الكثيرون وهو ما يمنحه القدرة الفائقة على الإقناع بمفاهيم إبداعية غير مألوفة، إضافة إلى الجمع بين قوة الشخصية والتواضع وعمق الرؤية والمعرفة مع مشاركة الآخرين الرأي. وحينما أتحدث عن شخصية قيادية مثل الدكتور العثمان فهو من باب تعزيز القيم والتوجهات التطويرية التي يدعو إليها، وكمثال لقيادي وطني استطاع يحدث تغييرا إيجابيا في وقت قياسي، وتحويل أكبر الجامعات الوطنية من منظمة تقتصر على توفير الخدمات التعليمية التقليدية مثقلة بالروتين الورقي، إلى مؤسسة نشطة ذات قيمة اجتماعية عالية. لقد أحدث طفرة ثقافية في إدارة الجامعة ونقلها من البيروقراطية والركود الإداري المنغلق إلى ثقافة منفتحة ومتعلمة وشفافة أو كما يصفها ''جامعة بلا أسوار''. فهو يرى أن قوة الجامعات تعتمد على قدرتها في التكيف واستيعاب المستجدات وبذات الوقت التأثير الايجابي في تنمية المجتمع.
إن الاستراتجية التي اعتمدها لتكون منطلقا لجميع أنشطة وبرامج الجامعة في أن تكون ''جيدة في كل شيء، ومتميزة في أشياء''. ويفسر ذلك بنظره محددة ومركزة بقوله ''نريد أن نكون مرجعية'' أي بالتخصص والخبرة والتميز في مجالات معينة، ويرى أن الفرصة متاحة ولا يخالجه شك في أننا كوطن نملك القدرة على ذلك، مؤكدا أن ''من حقنا أن نحلم ونثق بإمكانية تحقيق طموحاتنا طالما أننا في هذه الأرض وبوجود هذا القائد المحنك الملك عبد الله بن عبد العزيز، وفي ظل توافر القوة الاقتصادية والإمكانات المادية والبشرية، كلما تعاظمت الأحلام تعاظم الإنجاز''. وهنا يلفت النظر نحو أهمية رفع سقف التوقعات وأن الانجاز مرهون بمستوى الطموحات وجدية العمل والالتزام والمهنية والسعي في تحقيقها وليس الاعتماد فقط على الموارد المادية كمحدد لمستوى التنمية، ليضرب أمثلة من سنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا وكيف أنها استطاعت التحول إلى دول منافسة في الاقتصاد العالمي بعدما كانت متخلفة تستجدي المساعدات والمعونات من الدول الأخرى. وكأن لسان حالة يقول إذا كانوا يستطيعون فنحن ــ بإذن الله ــ نستطيع. ولذا حذر من الانشغال بمنجزات الماضي والتغني فيها وحط الرحال عند محطة واحدة من التنمية لأن الأمور من حولنا لا تتوقف عن التغير ليكون التحدي الأكبر هو الاستمرار في البحث عن الأفضل وإيجاد السبل لتحسين الأوضاع لتكون مربحة للجميع، وهذا يقتضي تحويل التفكير من الانشغال بما لا نستطيعه إلى البحث عما نستطيعه من أجل إحداث تنمية وطنية والانتقال إلى آفاق أوسع من التقدم الصناعي والتقني ومركز متقدم بين الأمم تؤهلنا كمجتمع للإسهام في الحضارة الإنسانية.
التطلع نحو الريادة هو وقود التميز ويرى أن كلية إدارة الأعمال إحدى أهم الكليات التي تنهض بهذه المهمة فقد مكنت جامعة الملك سعود على حد تعبيره من أن تحدث قوة تأثير كبيرة في المسيرة التنموية الوطنية فهو يشير بطريقة غير مباشرة أنها ''كلية صناع القرار''، حيث تخرج فيها الوزراء والقيادات الإدارية وأسهمت دراساتها وبحوثها في جهود التنمية، ولذا يرى أنه ''لا يوجد جامعة متميزة ما لم يكن فيها كلية إدارة أعمال متميزة''. وعلى الرغم من عراقتها كأول كلية في السعودية نبه إلى أنها لم تعد الوحيدة فهناك 28 كلية إدارة أعمال، ما يعني أن عليها مسؤولية مضاعفة في تطوير الوظيفة التعليمية والبحوث العلمية والتطبيقية في مجال إدارة الأعمال والإسهام في تحويل المملكة من مستورد للمعرفة إلى منتج لها. وهذا يقتضي التركيز على ما وصفه باقتصاديات العقول بوصفها خيارا استراتيجيا عالميا جديدا يعتمد على تنمية المورد البشري الذي لا ينضب، حيث تصبح مصادر الثروة الوطنية هي الجيل المتعلم وما ينتجه من أفكار ومبادرات إبداعية بدراية وثقة واعتماد على النفس. لقد بات من الضروري حسب رأي الدكتور العثمان تخريج طلاب يملكون القدرة على المبادرة وخلق فرص عمل لهم ولغيرهم بدلا من البحث عن فرصة وظيفية، وهذا هو السبب وراء إنشاء ''معهد الأمير سلمان لريادة الأعمال'' بالكلية لاحتضان مشاريع الطلاب ودعمهم عبر شراكات مع المؤسسات الخاصة ليثمر التعاون تنمية وطنية بعقول وأفكار وجهد وطني.
إن التوجه الجديد نحو الاقتصاد المعرفي وتطوير الأفكار والعقول وإيجاد حلول إبداعية يستلزم من وجهة نظره تطوير نظام التعليم العالي ليكون أكثر استجابة للمتغيرات، فالجامعات يجب ألا تكون أبراجا عاجية لا تتصل بالواقع ولا تؤثر فيه مؤكدا على أهمية بناء الخبرات والتجارب الوطنية ونقل المعرفة وتوطينها عبر تحالفات استراتيجية مع الجامعات العالمية الرائدة. وهذا لا يتأتي بحسب الدكتور العثمان إلا من خلال استيعاب المعطيات الجديدة وإعادة التفكير في النهج الإداري والتنظيمي للجامعات وتطوير معايير تقييم أدائها على أسس مهنية وليس بيروقراطية. هذه المهنية في الأداء تتضمن القدرة في تحقيق الاستقلال المالي من خلال جلب موارد من خارج القنوات الرسمية. هذا الدعم هو في حقيقته دعم معنوي قبل أن يكون دعم مادي وهو بمثابة تصويت المجتمع وتعبير عن مستوى الرضا العام عن أداء الجامعة والمستوى المؤسسي ودرجة القبول والاحترام الذي تحظى به. لقد علم الدكتور العثمان أن الأفكار تحتاج لموارد لتطبيقها، بل إن الأفكار غير الاعتيادية تحتاج إلى دعم غير اعتيادي، ولذا عمل على إيجاد موارد مستدامة للجامعة. وتحقق له ذلك عبر محفظة استثمارية قيمتها أربعة آلاف مليون ريال. ولكنه يشترط للخروج من الأداء البيروقراطي إلى الأداء المهني الإبداعي التحول من ميزانيات البنود إلى ميزانيات البرامج والأداء لتكون النتائج وليس تطبيق الإجراءات الروتينية الورقية مقياس النجاح. ويذهب إلى أبعد من ذلك ليطالب بأن تكون العلاقة التعاقدية مع أعضاء هيئة التدريس واستمراريتها مبنية على الإنجاز فهذا سيحفز أعضاء هيئة التدريس ويخرجهم من دائرة الانغلاق على الذات، إلى تطوير مهاراتهم ومعارفهم، وتقديم منجزات وبرامج فعلية على أرض الواقع، من منطلق أن ''الحصول على الدكتوراه ليس كل شيء، يجب أن تكون هناك قيمة مضافة''. هذا بعض ما جاء في كلمة الدكتور العثمان، التي تعد بحق خريطة طريق في إدارة مؤسسات التعليم العالي.