بماذا كُتبت سجلاتها؟!

كم كانت سعادتنا غامرة حين تعلمنا في حصة العلوم أن جذع الشجرة يتكون من حلقات؛ كل حلقة تمثل سنة من عمرها. ولم يخطر ببالنا آنذاك ما ستحمله لنا هذه الخطوط وتعرجاتها والمسافات بينها من معلومات.
وقف دارس تاريخ الأرض (هولمز) حائرا عندما قرأ في حاشية كتاب (التكوين) أن تاريخ خلق العالم عام 4004 قبل الميلاد، وتساءل: لماذا لم يكن الرقم مجرد 4000 سنة؟ ولماذا هذا التاريخ بالذات؟ وكيف تم التعرُّف عليه؟ ولم يكن الوحيد الذي دارت بخلده هذه الأسئلة الأزلية عن بداية الخلق وتاريخ الأرض وكيف عاش الناس عليها وماذا مر بهم من أحداث، وتمكن من الإجابة عنها من بحث وتلفت حوله ليكشف لنا السر الذي دعانا الله في كتابه لنكتشفه ولكن مع الأسف!! مَن لم تصله هذه الدعوة هو مَن عمل بها، قال تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ).
وبعد سنين كان هولمز أحد المساهمين في تحديد عمر الأرض، ووجد أن هذا التاريخ أصغر بكثير من عمرها الحقيقي، فقد بدأوا رحلة البحث من خلال الأشياء الموجودة منذ بدء الخلق من صخور وجبال وجليد وماء وحتى جسم الإنسان ووجدوا ما يبحثون عنه مكتوبا وبدقة.
فطبقات الصخور وطريقة تكونها وما تحويه من ذرات ومواد مشعة تحكي لنا تاريخ تكون الحجر وعمره والتغيرات المناخية التي مرت به، فمن الأشياء المذهلة التي اكتشفها العلماء في الصخور أن كمية الإشعاع تقل مع مرور الزمن، حيث تتحول المادة المشعة مثل الكربون المشع إلى نيتروجين كل 5730 عاما ثم يتحول نصف المتبقي إلى نيتروجين وهكذا، وبعد أكثر من 50 ألف عام لا يمكن قياس كمية الإشعاع المتبقي لقلته.
وبأخذ قطعة جليد من الثلوج التي غطت الأرض في فترة من الزمن (العصر الجليدي) تبين أن عمرها 24 ألف سنة وكل طبقة من طبقاتها بما تحويه من هواء لم يتغير منذ ذلك الزمن وأملاح وغازات تزودنا بدرجة حرارة الأرض ودرجة تلوثها وتقلبات الفصول، ومن خلالها يمكن توقع حالة الطقس المستقبلية. أما النيازك فقد منحتنا سجلا كاملا عما حدث في الفضاء الخارجي قبل أربعة ملايين سنة، وأن هناك حياة على الكواكب الأخرى وتمكنوا من حساب أعمار الكواكب والنجوم.
وبالعودة إلى معلومتنا البسيطة عن جذع الشجرة، فهي لا تزودنا بعمر الشجرة فقط؛ بل بحالة المناخ المحيط بها، وحدوث الفيضانات وحرائق الغابات عبر آلاف السنين وحتى عن هجرة البشر وتنقلاتهم.
ولا ننسى السجل الكامل الذي تمدنا به عظام الإنسان عن صفاته وشكله وعمره ونوع غذائه والأمراض التي أصابته مكتوبا بدقة في سجلات ليست من ورق وحروفها ليست ككل الحروف؛ بل كتبت على جذوع الشجر وبين طيات الحجر وفي ثنايا الجليد بلغة حروفها الذرات والجزيئات لتخبرنا عن بداية الخلق وتاريخ الأرض وتقدير عمرها بـ 4600 مليون سنة، كما تمكننا من استنتاج مستقبل الأرض.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي