هل يستوعب الإسلام «التسونامي» الذي يعصف بالعرب اليوم؟
ما يحدث للعرب ودولهم وحكامهم وشعوبهم اليوم يختلف كثيرا عما حدث للشعوب الأخرى عندما حاولت النهوض ورفع نير التخلف عن كاهلها كي تلحق بركب حضارة ومدنية يبدو أن لا نهاية لتقدمها وتطورها. والعرب سلفيون، ليس بالمفهوم الديني فقط، بل بالمفهوم الحضاري والتراثي وحتى الأدبي. وما أعنيه هنا أن أغلب العرب ومنهم المتشبعون بحضارتهم من أمثالي، يعتقدون أن التطور وتبوؤ المكانة العليا في الحضارة الإنسانية حصل عليه العرب من السلف وإن أراد عرب اليوم النهوض فما عليهم إلا العودة إلى الماضي التليد وأمجاده.
وماضي العرب لا يبدأ بالإسلام. للعرب ماض قبل الإسلام يدرسه التلاميذ في المدارس ويستذوقون أدبه وشعره وأيامه وحكاياته وأساطيره ولا يبدو غريبا أو بعيدا عنهم. والعرب من أكثر أمم الأرض تعلقا بالماضي لأنهم يفقهونه بينما الأمم الأخرى غالبا ما تركن ماضيها جانبا لأنها لا تستطيع قراءته. لغتها اليوم بعيدة جدا عن اللغة التي تكلم بها أسلافها قبل مئات ومئات السنين. لغة العرب قريبة جدا عن لغة أسلافهم. والفضل كل الفضل يعود للإسلام، وهم مادته، وقرآنه الذي حفظ هذه اللغة إلى يومنا هذا وجعل الناس، حتى الأميين منهم، يفقهون لغة خطيب لا تختلف كثيرا عن خطبة ألقيت في صدر الإسلام أو بعده.
والماضي نعرفه من خلال ما تركه لنا من اللقى المادية وأفضلها الخطاب المكتوب. الخطاب الشفوي غير ممكن وإن وصلنا فإن إمكانية تشويهه كي يتماشى مع متطلبات السلطة إمكانية كبيرة. وما لدى العرب من خطاب مكتوب يختلف جذريا عما لدى الشعوب الأخرى. العرب لهم الذكر وهو لديهم ولدى المسلمين الوجود والكون برمته. من خلاله يكتشفون الحياة والوجود ومن دونه لا حياة ولا وجود لهم. والذكر، كما أقرؤه، يشدني إلى الماضي ولكنه في الوقت نفسه يمنحني كل الحق في العيش الكريم والحر في عالم اليوم واستيعاب كل ما يسعدني ويعلي من شأني كإنسان. إنه نعمة الوجود. من خلاله أستقي المعرفة بكل أشكالها وأستوعب ما تفرزه الحضارة والمدنية الحديثة من إنجازات تكنولوجية وفكرية ترفع من شأني بين الأمم. ولأن الذكر تحمله العرب ومعهم المسلمون، فإن شأنهم لا بد أن ينعكس على نظرة العالم إليه. إن كان القرآن المحور الذي تدور حياة العرب حوله فإن كل تصرف يقومون به سيحاسبون عليه لأنهم يعتقدون أن السلطة والتشريع وليس فقط الحياة والوجود ينبعان منه.
والتسونامي الذي يعصف بالعرب اليوم سببه السلطة والنظرة الخاطئة التي كونها العرب عنها والسلطة في الوطن العربي تترنح أمام ضربات الجماهير. السبب واضح ولكن أصحاب السلطة لا يريدون الاعتراف بذلك وإن اعترفوا يأتي اعترافهم متأخرا أي ''بعد خراب البصرة''. السلطة في الإسلام يجب أن ترتبط بالمعرفة، أي أن يكون أصحاب السلطة أكثر دراية وحكمة من شعوبهم ''وأتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء'' (البقرة)، ''ربي قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث'' (يوسف). الذي حدث وأدى إلى التسونامي الذي نعيشه هو أن الشعوب ازدادت حكمة ومعرفة وأصحاب السلطة انعزالا وجهلا. والانعزال والجهل يؤديان إلى التشبث بالسلطة وإن أدى إلى هلاك الرعية على بكرة أبيها.
ولأن السلطة بعيدة عن الحكمة والمعرفة أخذ الأجانب من الغزاة والمنافقين الذين عاثوا ويعيثون فسادا في أمصار المسلمين استغلال الوضع الحالي. وأدى هذا الاستغلال إلى ظهور ازدواجية ونفاق حتى في المعايير العربية بعد أن كان هذا النفاق والازدواجية شأن غربي صرف. وهكذا يستعين الحكام بالغزاة ذاتهم الذين اغتصبوا فلسطين للصهاينة ودمروا العراق وأفغانستان ويساهمون في حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني للقيام بما كان يجب عليهم هم القيام به.
كل ما نراه من مآس وقتل وبطش وانتهاك للحريات الأساسية في الوطن العربي سببه السلطة. لو أن أصحاب السلطة تطوروا مع الزمن الذي فيه أرى وأقرأ وأستشعر، وأنا أعيش في أقصى شمال الكرة الأرضية، من الأمور المأساوية في ليبيا، مثلا، أكثر من ليبي يعيش في طرابلس. أصحاب السلطة في واد والزمن والمكان في واد آخر. وهكذا تراهم لا يفقهون ليس فقط ماضيهم بل حاضرهم. وهكذا تراهم يتشبثون بقشة السلطة إلى الرمق الأخير بدلا من التحدث بالتي هي أحسن مع شعوبهم والاستجابة لمتطلبات زمانهم ومكانهم.
هل باستطاعتنا تفسير ما يحدث من خلال الذكر؟ نعم, ''وأمرهم شورى بينهم'' (الشورى). أصحاب السلطة يقبلون الشورى التي يرضون عنها فقط والتي تلبي متطلباتهم فقط. لو استشار الحكام شعوبهم لما حدث ما حدث والآتي من الأيام سيكون أصعب بكثير مما مضى للذين يعتقدون أنهم في منأى من التسونامي.
لنختم رسالة هذا الأسبوع بآية من الذكر أوجهها لكل أصحاب السلطة الذاهبين والقاعدين والقادمين لأبرهن أن الإسلام حذّر من التسونامي الذي يعصف بالعرب اليوم: ''وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال'' (إبراهيم).
وإلى اللقاء