تداعيات الهزة الأرضية في اليابان على أسواق الطاقة ومزيج الطاقة
في 11 آذار (مارس) تعرضت مناطق شمال شرقي اليابان لزلزال عنيف بقوة 8.9 درجة ووصلت موجات المد البحري التسونامي إلى ارتفاع ثلاثة أمتار، حيث اجتاحت تأثيراتها السواحل. تسببت الهزة الأرضية بضرب مجمع فوكوشيما النووي لتوليد الطاقة، كان يومها المفاعلات 1 و2 و3 في وضع تشغيلي إلا أنها توقفت عن العمل أوتوماتيكيا بفضل نظام الطوارئ في المحطة، بينما المفاعلات 4 و5 و6 كانت متوقفة عن العمل أصلا لأغراض الفحص الدوري.
أدت الهزة الأرضية إلى إغلاق ست مصاف يابانية لتكرير النفط بطاقة إجمالية تقدر بنحو 1.4 مليون برميل يوميا من النفط الخام، وفقا لشركة التكرير اليابانية. مجمعات التكرير الستة جميعها في منطقة شمال شرق اليابان في منطقة الزلزال، وتمثل أكثر من ربع الطاقة التكريرية الكلية لليابان. إضافة إلى ذلك أدت الهزة إلى توقف نحو 9.7 جيجا واط من الطاقة الكهربائية نتيجة توقف بعض المفاعلات النووية، بعض هذا التوقف من المرجح أن يستمر لفترة طويلة بعد الهزة. من المتوقع أن تعوض اليابان عن إغلاق مفاعلاتها النووية من خلال الاعتماد بشكل أكبر على الوقود الأحفوري التقليدي.
لقد اعتمدت اليابان بشكل متزايد على الطاقة النووية لأنها تركز على تقليل اعتمادها على النفط والغاز، حالها حال الدول الصناعية الأخرى. تجدر الإشارة هنا إلى أن اليابان استهلكت نحو 22.3 كوادريليون وحدة حرارية بريطانية في عام 2008، نحو 11 في المائة منها تم توليدها من محطات الطاقة النووية. في حين تستهلك الولايات المتحدة أكثر من أربعة أضعاف الطاقة المستهلكة في اليابان، نحو 8 في المائة منها فقط من الطاقة النووية.
إن إغلاق ربع طاقة التكرير النفطي في اليابان و11 من أصل 54 مفاعلا نوويا نتيجة الزلزال والتسونامي عززت الأسعار العالمية للوقود والغاز الطبيعي، حيث إن التوقعات من ارتفاع الطلب الياباني على وقود الديزل زادت من هوامش أرباح عمليات التكرير ومن الفوارق Differentials بين الخامات التي تنتج كميات كبيرة من المقطرات. الفوارق على الوقود ارتفعت أيضا وسط التوقعات بارتفاع الواردات اليابانية، إضافة إلى ذلك، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في ضوء التوقعات بزيادة الطلب على الغاز الطبيعي المسال لليابان لتوليد الطاقة الكهربائية.
على سبيل المثال، في 14 آذار (مارس) الجاري اتسعت الفجوة بين سعر زيت الغاز وخام دبي في أسواق آسيا إلى 23.4 دولار للبرميل، بزيادة تقدر بنحو 1.8 دولار عن سعر تداوله السابق وهو أعلى مستوى له في أكثر من ثلاث سنوات، حيث إن فقدان الطاقات التكريرية للمصافي عزز من التوقعات أكثر لوقود الديزل. في حين اتسعت الفجوة بين سعر وقود الطائرات وخام دبي في الأسواق الآسيوية الآنية بأكثر من 1.07 دولار للبرميل لتصل إلى 23.83 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له في عامين على الأقل، في حين أضاف تفوقه على زيت الغاز نحو عشرة سنتات ليصل إلى 1.35 دولار للبرميل.
الفرق أو الفجوة بين زيت الغاز وخام برنت اتسعت أيضا، حيث وصلت إلى 17 دولارا للبرميل وهو أعلى مستوى في 26 شهرا تقريبا، حيث كان السوق يتوقع ارتفاع الطلب على نواتج التقطير وزيت الوقود من مناطق أخرى من العالم في أعقاب الزلزال والتسونامي في اليابان. كما ارتفع وقود الطائرات ووقود الديزل المنخفض الكبريت في أسواق ساحل الخليج في الولايات المتحدة بنحو واحد سنت للجالون الواحد لكل منهما في التعاملات المبكرة في 14 آذار (مارس) وسط توقعات بزيادة الصادرات إلى اليابان.
من ناحية الغاز الطبيعي، فقد ارتفع الغاز البريطاني تسليم الصيف بنحو 8 في المائة يوم الاثنين 14 آذار (مارس) ليصل إلى 64.6 بنس لكل ثرم (100 ألف وحدة حرارية بريطانية). في حين ارتفع سعر الغاز في الأسواق الآنية بنحو 7 في المائة إلى 63.50 بنس لكل ثرم (100 ألف وحدة حرارية بريطانية) وهو أعلى مستوى له منذ موجة البرد في كانون الأول (ديسمبر) الذي عزز الطلب على الغاز للتدفئة.
أما على المدى الطويل، فإن الحادث في المجمع النووي الياباني سيعزز الاهتمام بمصادر الطاقة المتجددة النظيفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ولكن قد يحفز أيضا الطلب على النفط والفحم والغاز. الطاقة النووية توفر حاليا نحو 14 في المائة من مزيج الكهرباء في العالم، على الرغم من أن معظم المحطات النووية تتركز بشكل كبير في ستة بلدان فقط. إن حادث المجمع النووي في اليابان ليس هو نهاية المطاف للطاقة النووية، حيث إن العالم قد استثمر مئات المليارات من الدولارات في المفاعلات القائمة وفي تلك التي هي في قيد الإنشاء حاليا. لكن المخاوف المحيطة بالشلل الذي أصاب المفاعلات التي ضربها الزلزال في فوكوشيما قد يعكر النهضة النووية التي شهدها العالم بعد كارثة تشرنوبيل 1986، على الأقل في المدى القصير والمتوسط.
حيث تتعرض الحكومات في كل من الهند والولايات المتحدة وأوروبا لضغوط لمراجعة معايير السلامة أو فرض تعليق أو توقيف النشاط على المشاريع الجديدة، ألمانيا وسويسرا مثلا أعلنت بالفعل تعليق خططها لتمديد العمر التشغيلي للمصانع القائمة، في انتظار مراجعة معايير السلامة.
على أقل تقدير، من المتوقع أن تتأخر بعض الاستثمارات الكبيرة في المجال النووي، أو تؤجل لمدة سنة أو سنتين. في المدى القصير، أي نقص في الطاقة في اليابان وفي أماكن أخرى من العالم، سيتم تعويضها باستخدام الوقود الأحفوري وخصوصا الغاز. تعطل الصناعة النووية اليابانية يعني أن العالم سيعتمد بشكل متزايد على النفط والغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء. في هذه الحالة فإن صناعة الوقود الأحفوري ستستفيد في وقت مبكر من هذا الحادث لأن لها القابلية على توفير كميات كبيرة من الطاقة في وقت سريع.
الدول التي أعلنت وقفا على أنشطة الطاقة النووية الجديدة تعي بصورة كاملة أن الحلول المتاحة لديها اليوم لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة على نطاق واسع لن تكون عن طريق الألواح الشمسية، بل عن طريق الغاز، وهي تعي أيضا أن حرق الغاز الطبيعي يسهم في ظاهرة الاحتباس الحراري، لكن بصورة أقل من النفط وأقل بكثير من الفحم الحجري.
لكن في الوقت نفسه، التباطؤ في الاستثمار في مجال الطاقة النووية سيحول الاستثمارات أيضا إلى الطاقات المتجددة، التي منذ الأزمة المالية عام 2008 تجاهد في توسيع حصتها في أسواق الطاقة العالمية. هذا التحول سيؤدي بدوره إلى زيادة الطلب على مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية، حيث إن النقص الحاصل في توليد الطاقة النووية وتوقع نمو الطلب على الطاقة من المتوقع أن يرفع الطلب على مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية بنحو 10 في المائة سنويا على مدى الأعوام القادمة، حسب أحدث التقارير. كما أن انهيار مجمع فوكوشيما النووي لتوليد الطاقة ربما يؤدي إلى رفع تكاليف الطاقة النووية، ما قد يجعل الطاقة المتجددة أكثر قدرة على المنافسة.