برامج الإسكان في المملكة: أين.. لمن.. وكيف يجب أن تنفذ؟
منذ انطلاق مسيرة التخطيط التنموي في السعودية عام 89/1390هـ (1969م) وحتى نهاية العمل بخطة التنمية الثامنة 25/1426-30/1431هـ (2005 ــ 2009)، بلغ مجموع الاستثمارات الحكومية في قطاعات التنمية ما يقارب (3500) مليار ريال (وفقا لما ورد في إصدار وزارة الاقتصاد والتخطيط ــ منجزات خطط التنمية حقائق وأرقام). واعتمدت المملكة لهذا العام أعلى ميزانية عامة في تاريخها بمبلغ 580 مليار ريال، أكدت الاستمرار في سياسة دعم المشاريع التنموية، حيث استحوذت قطاعات التعليم والصحة والبلدية والنقل والمواصلات والمياه والزراعة على نسبة 66 في المائة من مخصصات النفقات.
وفي ظل صدور الأوامر الملكية التنموية في الجمعة المباركة، والتي منها اعتماد بناء 500 ألف وحدة سكنية في مناطق المملكة كافة وتخصيص مبلغ إجمالي لذلك قدره 250 مليار ريال، أوردت جريدة ''الاقتصادية'' في عددها رقم 6369 الصادر يوم الأحد 15 ربيع الآخر 1432هـ (20 مارس 2011) التالي: ''اتفق اقتصاديون على أن المرحلة المقبلة تتطلب رفع مستوى التنسيق بشكل عال بين الجهات الحكومية المعنية بقطاع الإسكان وعلاج أزمته في المملكة، من خلال استراتيجية موحدة للإسكان تجمع جهود تلك الجهات في مسار واحد تصب نتائجه في الهدف الذي تسعى الدولة إلى تحقيقه، المتمثل في حصول المواطنين على مساكن تكفل لهم العيش الكريم ... وضرورة العمل فورا على تأهيل قطاع المقاولات لاستيعاب الإنفاق الهائل على البنية التحتية ... حتى يتماشى مع المتغيرات الاقتصادية المحلية والدولية، أبرزها ضرورة قيام هذا القطاع بتنفيذ المشاريع الحكومية التنموية والخدمية في الأوقات المحددة وحسب الشروط والمواصفات الخاصة بتلك المشاريع بقصد إحداث قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وإيجاد مزيد من الوظائف للمواطن السعودي، وكذلك وقوف هذا القطاع منافسا قويا للمقاول الأجنبي''.
#2#
وضمن نطاق ما ورد أعلاه، أود أن أركز على موضوعين أساسيين، نظرا لأهميتهما الكبرى على مسار التنمية في وطننا الغالي، وهما: ضرورة توافر استراتيجية موحدة للإسكان، والعمل على تأهيل قطاع المقاولات لاستيعاب الإنفاق الهائل على البنية التحتية. منوها في البداية إلى أن الإسكان للمواطن السعودي كان ولا يزال هدفا بارزا ضمن خطط التنمية الخمسية للمملكة جميعها. واستحدث لذلك عديد من البرامج والآليات المختلفة التي أسهمت بشكل كبير في توفير السكن الكريم لشريحة كبيرة من أبناء الوطن.
ولكن أخذا بالاعتبار الحاجة الملحة حاليا لتوفير السكن الكريم لشريحة كبيرة أخرى من أفراد الشعب السعودي الشاب، والذي يشكل نسبته ما يقارب 60 في المائة من عدد المواطنين، فمن الضرورة القصوى بلورة برامج فاعلة لمواجهة ذلك الأمر على مستوى كافة مناطق المملكة المترامية. والأهم في هذا الشأن أن تتم بلورة تلك البرامج انطلاقا من أن مشروعات الإسكان المنشودة هي وسيلة وليست هدفا تنمويا بحد ذاتها، لتعظيم المكاسب التنموية للاقتصاد والمواطن السعودي. وعليه من الأهمية بمكان أن تراعي برامج الإسكان الجاري إعدادها، الأمور التالية:
1. التكامل مع الاستراتيجيات والبرامج التنموية الأخرى بالمملكة من أمن وتوظيف وتعليم وتصنيع وسياحة وغيرها لضمان مساهمتها، إلى جانب توفير المسكن المنشود، في تحقيق مكاسب عديدة من أبرزها: خلق فرص وظيفية مغرية جديدة للقوى العاملة الوطنية، تخفيض أعداد القوى الأجنبية العاملة في المملكة، دعم الأمن الوطني، تحقيق النمو المتوازن في كافة المناطق والحد من الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن الرئيسية.
2. يجب أن تكون أولوية تنفيذ مشاريع الإسكان المنشودة، خارج المدن الرئيسية، في القرى والمدن الصغيرة. على أن تتم من خلال بناء مجمعات سكنية متكاملة الخدمات التعليمية والصحية والتجارية (ويمكن في هذا الصدد الاستفادة من تجربة شركة أرامكو في تخطيط وبناء مدينة عرعر عند إنشائها لخط التابلاين) لتصبح جاذبة للشباب السعودي للعمل في وظائف القطاع العام من صحة وتعليم وغيرها التي يشغلها غير السعوديين بتلك القرى والمدن الصغيرة، حيث إنه باستعراض سريع لسوق العمل وإحصائيات السكان في المملكة، نجد أن هناك تكدسا في الأيدي العاملة السعودية المؤهلة (من أطباء ومهندسين وصيادلة ومدرسين وغيرها من المهن) الباحثين عن العمل في المدن الرئيسية وخصوصا في مؤسسات القطاع العام، وعدم قبول تلك الكوادر للوظائف التي تتيحها الأجهزة العامة في الهجر والقرى والمدن الصغيرة المختلفة في أرجاء المملكة، لمحدودية توافر السكن والخدمات المناسبة، ما دفع هذه الأجهزة إلى استقدام عمالة أجنبية لشغل تلك الوظائف.
3. بالرغم من ضخامة الإنفاق العام على مشاريع التنمية سنويا إلا أن محدودية القدرات الرقابية والإشرافية العامة ومركزية القرار، أدى إلى بطء في تنفيذ عديد منها وأحيانا خلل في التنفيذ عن المستوى المطلوب. ودلالات ذلك واضحة تعكسها الإنذارات المتتالية من أعلى سلطة بالمملكة ممثلة في خادم الحرمين الشريفين، بضرورة تلافي هذا القصور. ولضمان متابعة فاعلة على مشاريع الإسكان المنشودة، يمكن الاستفادة من مجالس المناطق والمجالس البلدية بتكليفها بالرقابة المباشرة على تلك المشاريع، وأن ترفع تقارير متابعة دورية عن سير التنفيذ لأمراء المناطق المختلفة.
4. مناطق المملكة المختلفة ثرية جدا بهوياتها وتراثها العمراني المميز الذي يكتنز تجارب وخبرات ودلالات كل منطقة واحتياجاتها العمرانية. لذلك من الضرورة أن تراعي برامج الإسكان المنشودة ذلك الأمر. وحبذا لو أتيحت الفرصة للمجالس البلدية، وبالتنسيق والتعاون مع الهيئة العامة للسياحة والآثار، لاختيار التصاميم المعمارية للمشاريع السكنية المزمع تنفيذها لديها، وبما يتناسب مع طبيعة كل منطقة.
الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية عن استراتيجية الإسكان، هو ما يتصل بتأهيل قطاع المقاولات السعودي بما يمكنه من استيعاب الإنفاق الهائل على البنية التحتية، وبالتالي إحداث قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وإيجاد مزيد من الوظائف للمواطن السعودي وكذلك وقوف هذا القطاع منافساً قوياً للمقاول الأجنبي. وفي الحقيقة يستغرب كثيرا، إن دولة بحجم وترامي الأطراف والمكانة الاقتصادية ومقدار ما تنفقه سنويا على مشاريع التنمية، كالمملكة العربية السعودية، لا يتواجد لديها إلا عدد محدود من شركات المقاولات الكبرى. والأدهى في الأمر أن غالبية تلك الشركات ذات ملكية فردية وليست شركات مساهمة تتوزع مكاسبها على شريحة كبيرة من أفراد المجتمع.
واستنادا لذلك أخشى أن تستحوذ شركات المقاولات الأجنبية على عقود تنفيذ مشروعات الإسكان المنشودة. وتحرم بالتالي اقتصادنا الوطني من مكاسب إنفاق الـ 250 مليار ريال المرصودة، كما حرم من مليارات عديدة خلال السنوات الماضية، بسبب التحويلات الخارجية لشركات المقاولات الأجنبية، جراء مشترياتها المستوردة من أوطانها ومرتبات عمالتها الأجنبية. وإذا ما أردنا تلافي هذا الأمر فمن الأهمية:
1. السعي إلى خلق كيان مؤسساتي سعودي راسخ في قطاع المقاولات يدار بقوى وطنية للتنفيذ والإشراف على مشاريع الإسكان والبنية الأساسية محليا وإقليميا وحتى دوليا. وبحيث يكون ذلك الكيان من الحجم والمكانة على غرار شركة سابك أو شركة الاتصالات السعودية أو شركة الكهرباء السعودية، لضمان قدرته على قيادة قطاع المقاولات السعودي وتمكنه من خلق وتطوير الفرص الوظيفية الواعدة لأبناء الوطن في هذا القطاع وتأطيرها بما يضمن الأمن الوظيفي الذي يسعون إليه ويستحقونه.
2. لضمان توزيع المكاسب والأرباح التي سوف يجنيها هذا الكيان المؤسساتي المقترح على كافة أبناء الوطن، يقترح أن يكون على شكل شركة (أو شركات) سعودية مساهمة للمقاولات والإنشاءات الهندسية. وبحيث تتاح الفرصة لشركات المقاولات السعودية الصغيرة والمتوسطة للاكتتاب بنسبة 50 في المائة من الأسهم، وأن تكتتب الدولة بمقدار (1000) سهم منحة لكل مواطن سعودي (تسدد على مدى سنوات لتخفيف الضغط على الميزانية العامة) تكون كتعويض لشريحة كبيرة من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط الذين فقدوا جزءا كبيرا من مدخراتهم جراء انهيار سوق الأسهم الماضي.
متخصص في الاقتصاد