تعطل الإمدادات النفطية.. العالم اليوم أكثر تحوطا من أي وقت مضى
الأحداث الأخيرة في ليبيا تسببت في وقف معظم إنتاجها من النفط الخام، الذي بلغ في المتوسط نحو 1.6 مليون برميل يوميا في كانون الثاني (يناير). هذا التوقف في الإنتاج يمثل تعطلا مهما في إمدادات النفط العالمية, لكن فقدان كميات كبيرة من إمدادات النفط من ليبيا، التي هي أيضا مصدر رئيس للطاقة، لم يرق بعد إلى درجة الإنذار أو الرهبة من نقص في الإمدادات, إنما تسبب في بعض القلق لأسواق النفط إلى حد الآن، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع, لكن ليس بسبب نقص في الإمدادات, إنما بسبب المضاربين. هذا يتناقض مع استجابة الأسواق لتعطل الإمدادات النفطية في فترة السبعينيات من القرن الماضي، عندما أصبح المستهلكون يخافون من نقص فعلي في الإمدادات, ما أدى إلى حدوث حالة من الذعر والهلع. نعم كانت التوقفات في حينها أكبر بكثير مما عليه اليوم نتيجة توقف الإمدادات الليبية, لكن الفضل في الهدوء النسبي يرجع الآن أيضا إلى تطور عمل المؤسسات المعنية بالطاقة والجهود الدولية المشتركة المبذولة في هذا المجال، وإلى توافر المزيد من المعلومات والبيانات، وتطور وسائل الاتصال والحاسبات. هناك اليوم تفاهمات وقنوات اتصال واضحة بين أعضاء الوكالة الدولية للطاقة ومنظمة البلدان المصدرة للنفط ''أوبك'' وغيرهم من كبار المستهلكين والمنتجين. حيث تم بناء قنوات الاتصال واختبار طرق العمل على مدى أكثر من ثلاثة عقود. لذلك ليس من المستغرب أن تكون تداعيات تعطل الإمدادات مختلفة هذه المرة إلى حد ما عن السابق. فيما يلي نبذة عن أهم الإجراءات والتطورات التي اتخذتها الدول المستهلكة والمنتجة للنفط على حد سواء للتخفيف والاستجابة لاحتمالية تعطل بعض الإمدادات نتيجة لمشكلات تتعلق بالمناخ والحوادث أو المشكلات الجيوسياسية.
لقد قامت الدول المستهلكة للنفط ببناء مخزون نفطي استراتيجي لتلبية الطلب في حالة تعطل بعض الإمدادات النفطية لسبب أو لآخر, حيث يحتفظ جميع أعضاء وكالة الطاقة الدولية والمستهلكون الرئيسيون الآخرون مثل الصين بمخزون كبير من النفط الذي يمكن أن يطلق إلى الأسواق في حالة انقطاع الإمدادات، الولايات المتحدة تملك وحدها أكثر من 700 مليون برميل من المخزون. أعضاء وكالة الطاقة الدولية مجتمعة لديهم أكثر من أربعة مليارات برميل من المخزون لدى القطاع العام والصناعة. على سبيل المثال استخدمت وكالة الطاقة الدولية المخزن النفطي لديها بعد الإعصار ريتا الذي اجتاح خليج المكسيك في الولايات المتحدة في أيلول (سبتمبر) 2005، كما قامت منظمة ''أوبك'' في حينها بعرض جميع طاقاتها الاحتياطية.
من بين الإجراءات التي اتخذتها منظمة ''أوبك'' لمجابهة أي نقص في الإمدادات هي بناء طاقات إنتاجية احتياطية لتلبية النقص، في هذا الجانب تحتفظ السعودية بطاقات إنتاجية احتياطية استراتيجية، حيث للمملكة سياسة معلنة للحفاظ على 1.5 إلى مليوني برميل يوميا من الطاقات الإنتاجية الاحتياطية في الظروف الطبيعية، التي يمكن استخدامها على وجه السرعة لتعويض أي توقف في أي مكان آخر من العالم. لكن للمملكة حاليا طاقات إنتاجية فائضة أكبر من ذلك بكثير بسبب برامج التطوير التي تعهدت بها المملكة عندما كان الطلب على النفط مرتفعا في العقد الماضي، وأيضا بسبب انخفاض الطلب نتيجة الأزمة الاقتصادية الأخيرة, حيث قامت المملكة بخفض إنتاجها لموازنة الطلب على النفط. هذا وتمتلك دول أخرى في ''أوبك'' طاقات إنتاجية احتياطية تتفاوت من دولة إلى أخرى، حيث تقدر الطاقات الإنتاجية الاحتياطية من النفط الخام في ''أوبك'' حاليا بأكثر من خمسة ملايين برميل في اليوم، بعد أن قامت السعودية وبعض دول المنظمة الأخرى بزيادة إنتاجها أخيرا استجابة للتطورات الأخيرة. هذه الطاقات هي أكثر بكثير مما هو مطلوب لتعويض أي نقص في الإنتاج الليبي أو حتى أي دولة أخرى بحجم الإنتاج نفسه. تجدر الإشارة هنا إلى أن المنظمة ملتزمة بهذه السياسة على الرغم من الأعباء المالية التي يتحملها الأعضاء من جراء بناء والاحتفاظ بطاقات إنتاجية احتياطية.
من التطورات المهمة الأخرى التي حدثت على مدى العقدين الماضيين والتي أسهمت وتسهم بشكل أو بآخر في استقرار أسواق النفط هي النضج والتطور الكبير في العلاقة والحوار بين المنتجين والمستهلكين ومنظمة ''أوبك'' ووكالة الطاقة الدولية التي أنشئت في أعقاب الأزمة النفطية في بداية السبعينيات من القرن الماضي بهدف مواجهة منظمة ''أوبك''، وبدأ الحوار يأخذ منحى أكثر نضجا بينهما، وبلغ هذا الحوار ذروته في مطلع التسعينيات في إنشاء منتدى الطاقة الدولي IEF، الذي احتفل أخيرا بمرور 20 عاما على انطلاقه وبتوقيع ميثاقه في 22 شباط (فبراير) 2011 في الرياض، هذا الميثاق كان ثمرة جهد كبير استغرق نحو عامين لعبت السعودية دورا كبيرا وحيويا في إنضاجه وإخراجه إلى النور بدعم من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود ومتابعة يومية من قبل الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز مساعد وزير البترول والثروة المعدنية لشؤون البترول رئيس المجموعة التوجيهية العليا للمنتدى.
خلال العقدين الماضيين قامت منظمة ''أوبك'' بالتحرك عدة مرات لتعويض النقص في الإمدادات، كما تعهدت وكالة الطاقة الدولية بتوفير بعض المخزون الاستراتيجي من أعضائها عند الضرورة، في حالة عدم تمكن منظمة ''أوبك'' من ملء الفجوة بين العرض والطلب. كما لعب حوار المنتجين والمستهلكين من خلال منتدى الطاقة الدولي في تقريب وجهات النظر بين الدول المستهلكة والمنتجة وتحول الجدل الذي كان يدور بينها لسنوات ماضية إلى حوار وتفاهم حول رؤية مشتركة تضمن الفائدة لجميع الأطراف المنتجة والمستهلكة للنفط والوصول إلى حلول جذرية تعمق من التفاهم بشأن توفير مصادر الطاقة للعالم بأسعار تفيد المنتجين ولا تضر بالمستهلكين.
تعتبر الأسواق الآجلة للنفط عامل توازن مهما وحيويا لأسواق النفط، خلال الأزمات النفطية في سبعينيات القرن الماضي لم يكن النفط يتداول في بورصات العقود الآجلة للنفط, لكن مع بدأ التداول وتراكم السيولة خلال الثمانينيات والتسعينيات، بدأت الأسواق الآجلة بلعب دور حاسم في تحديد مخاطر التسعير الفورية. حيث إن ارتفاع الأسعار ربما يضعف الطلب على النفط بسرعة ليتوافق مع العرض المتاح، على الرغم من تقلب الأسعار خلال مراحل إعادة التوازن قد تكون مخيفة.
بالطبع جميع هذه الإجراءات والتطور في العلاقة والحوار بين المنتجين والمستهلكين لا تعني بالضرورة أن العالم اليوم محمي بصورة كاملة ضد جميع التهديدات من جراء نقص أو تعطل إمدادات النفط, حيث لا يمكن استبعاد حدوث تعطل في إمدادات النفط يتجاوز قدرة الآليات الحالية في التعامل معها. لكن الآليات الحالية كانت ناجعة في أكثر من مناسبة على مدى السنوات العشر الماضية، على سبيل المثال استجابة هذه الآليات بصورة فاعلة لتعطل الإمدادات خلال الإضراب الذي حدث في فنزويلا بين عامي 2002 و2003، خلال حرب الخليج الثانية 2003، فترة مشكلات الإمدادات النيجيرية نتيجة الاضطرابات السياسية، وأيضا نتيجة تعطل الإمدادات لأسباب تتعلق بالطقس والحوادث. في الأزمة الحالية استجابت المملكة بصورة سريعة لتعويض تعطل الإمدادات الناجمة عن الاضطرابات السياسية في ليبيا، دول أخرى في منظمة أوبك قد تسهم أيضا، خصوصا الخليجية, إضافة إلى ذلك أبدت وكالة الطاقة الدولية استعدادها للمساعدة إذا لزم الأمر. العالم اليوم أكثر تحوطا ويختلف عن مرحلة السبعينيات.
لكن قد يتساءل البعض: ماذا حدث عام 2008؟ الجواب بسيط، الارتفاع الكبير في الأسعار التي شهدته الأسواق في حينه لم يكن بسبب تعطل أو نقص في الإمدادات ولا بسبب اضطرابات سياسية، إنما بسبب مخاوف وهواجس لا أساس لها، من شح في الإمدادات، وصول النفط إلى ذروته وغيرها، استغلها المضاربون الذين يحاولون أن يفتعلوا الأزمات لتحقيق أرباح، بالضبط مثلما يحدث حاليا، لكن الأسواق والحكومات اليوم أكثر تحوطا من أي وقت مضى.