الغرب والتطورات العربية
انتفض العرب بعد سبات طويل وعقود من السكون وعدم الحركة، لا بل العودة إلى الوراء في شتى مناحي الحياة، لدرجة أن بعض دولهم صارت مثلا للتندر يذكر اسمها دليلا على التخلف وتفشي الظواهر السلبية.
ومع ذلك يظهر البعض من السياسيين والمفكرين العرب قائلا: إن هذه الثورات لم تكن متوقعة وقد فاجأهم الشعب العربي. وأسوأ ما قرأته وسمعته هو قول بعض المسؤولين إنهم للتو بدأوا يفهمون شعوبهم.. أين كنتم حتى الآن؟
أنا بعيد عنكم أعيش الآن في الطرف النائي من الكرة الأرضية، ولكن قلبي وقلمي وحواسي معكم. يشهد الله أنني أتمنى العزة والسؤدد والرفاهية والتقدم والازدهار للعرب ودولهم، وأتمنى من أعماق قلبي أن يبعد الله عنهم كل مكروه، وأخص بالذكر دولة الحرمين.
ولكن التمني غير كاف ولا بد من خطوات ملموسة لتفادي الزلزال، الذي إن وقع ــــ لا سمح الله ــــ ستكون له تبعات غير حميدة وعواقب خطيرة، نظرا للتكالب الدولي على خيرات وثروات الخليج العربي، ولنا في العراق أسوة غير حسنة.. إذاً ما العمل مرة أخرى؟
في رأيي المتواضع هناك خطوات يجب القيام بها دون إبطاء وتلكؤ. وهذه الخطوات لم أستقها من أي مصدر أجنبي، بل توصلت إليها من تتبعي المكثف وتواصلي مع المشاريع الإصلاحية التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله. لقد كانت خطوات جريئة بحق، ويجب مواصلتها دون كلل. الكل في الخليج العربي ينظر اليوم إلى خادم الحرمين الشريفين كي يسمع ويتعلم، ولكننا هل فهمنا حقا ما هو المطلوب القيام به بناء على أفكاره وحركته الإصلاحية؟ أسرد هنا بعض الخطوات الإصلاحية التي أستقيها من أفكار خادم الحرمين الشريفين، والتي كان لها دور بارز في التقارب بين الأديان والثقافات والحضارات، واستند إليها لرسم خريطة طريق لدرء الزلزال.
أولا: يجب الفصل بين المال العام والخاص. في دول الخليج العربي يختلط الخاص بالعام، أي لا تستطيع وضع خط شفاف بين الدولة والسلطة. بمعنى آخر يجب فصل السلطة عن الثروة العامة. وأقرأ كثيرا عن مبادرات قام بها الملك عبد الله في هذا الاتجاه لا يتسع الحيز المخصص لهذا العمود لذكرها. هذه خطوة مباركة ويجب تعزيزها حتى يشعر الجميع بأنهم سواسية كأسنان المشط.
ثانيا: العمل بجدية ومثابرة وحكمة على نقل الاستثمارات الخليجية في الغرب العائدة للدول والأفراد، إلى البلدان الأصلية وتحويلها إلى مشاريع نافعة لاستيعاب البطالة. الاستثمارات في الغرب غير آمنة رغم أنها تدر بالمنافع للغربيين. حتى ما يسمى بالصناديق السيادية ليست في مأمن. وهل يكون الصندوق سياديا إن كان تحت قبضة الأجنبي؟ انظروا إلى الصين وكيف تستثمر؟ تشتري الصين مصنعا غربيا وتنقله مع كامل مكائنه وتكنولوجياته وتزرعه في منطقة صينية في حاجة للتطوير. مَن مِن العرب، دولا وأفرادا، يفعل ذلك؟
ثالثا: في الشأن السياسي يجب الاستمرار والعمل بروية على تقليص السلطات والفصل بينها. فاستمرار دول المجلس في الإصلاح السياسي الذي بدأته، مهم لاستقرارها.
رابعا: الاستمرار في التوسع في منح حريات، وإن كانت مقننة في البداية. فعلى سبيل المثال، تخصص الصحف عواميد خاصة للرأي، كما هو شأن هذا العمود، يعبر فيه الكتاب الوطنيون المخلصون لبلدانهم عن آرائهم دون تشف أو تهريج أو انتقاد جارح في غير محله، وكذلك دون خوف أو خشية من المقاضاة أو العقوبة.
خامسا: البدء الفوري في تقليص العمالة الأجنبية بأشكالها كافة. إنه لأمر معيب أن تعاني دول المجلس البطالة ونسبة العمال الأجانب فيها تصل إلى 20 أو 30 في المائة في بعض الدول، وتتجاوزه في أخرى. وإنه لأمر معيب أن يتشدق بلد بنموه وتطوره والأجانب يشكلون أكثر من 90 في المائة من سكانه. ووجود الأجانب بهذه النسب الكبيرة أمر مقلق ثقافيا ودينيا واقتصاديا وسياسيا. انظروا إلى السويد التي لا تستخدم عمالة أجنبية ولا تسمح بالعمالة المنزلية (الخدم) وسكانها ثمانية ملايين وإجمالي ناتجها القومي أكثر من 350 مليار دولار.
سادسا: التوجه الجدي صوب الشباب لتلبية مطالبهم والعمل المثابر على الاستجابة الاستباقية لأسئلتهم. نسبة الشباب عالية في دول المجلس مع قلة عدد من هم فوق 65 سنة من السكان.
سابعا: وهذه نقطة أساسية جدا، الالتزام بالتغير الإيجابي لا تتحمله السلطات الحاكمة فقط. إنه واجب متبادل بين السلطة والشعب، ولا سيما الشباب. وهذا يعني أن الشباب عليهم العمل بجدية في وظائف لم يقبلوا بها سابقا. ففي السويد يُقدس العمل مهما كان نوعه. السويدي يعمل زبالا وممرضا وممرضة وسائق باص وعامل تنظيف في القطار. الكل فخور بعمله. ويجب على الشباب العربي في الخليج أن يتعلم ذلك. وأيضا يجب على العائلات أن تتعلم أنه في الإمكان القيام بتربية الأطفال والأعمال المنزلية، إضافة إلى العمل والوظيفة دون خادم أو خادمة. هذا ما نقوم به نحن في السويد وسيعيبنا المجتمع، لا بل سيزدرينا، إن علم أننا نشغل خادمات في بيوتنا.
ثامنا وأخيرا على دول مجلس التعاون الخليجي فكّ رباطها المصيري بالغرب. الغرب منافق لا أخلاق له في السياسة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالدول العربية. البارحة كان القذافي ضيفا عزيزا على الزعماء الأوروبيين، بينهم الرئيس الأمريكي، يتباهى بلباسه المشين وهم يتباهون به. والقذافي هو لم يتبدل. هم الذين تبدلوا بعد أن لاحظوا أن لا مستقبل للقذافي وليس حبا في الشعب الليبي المظلوم. كما قلت سابقا، الغرب كالقصبة المرضوضة ستجرحكم إن اتكأتم عليها.
وإلى اللقاء،،،،