رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


من يجرؤ على صناعة القرارات الصعبة؟!

الإدارة في جوهرها عملية صنع القرار، أي الاختيار بين البدائل المتاحة أو التي يتم البحث عنها كفرص، أو في أوضاع استثنائية يكون إلزاميا أن يُتخذ القرار تحت ضغوط خارجة عن الإرادة دون حول ولا قوة. وأقول هنا يُتخذ ولا يُصنع؛ لأن الأحداث في هذه الحالة هي التي تسيّر متخذ القرار وليس هو، وعندها لا يكون إنشاء لقرار إنما تنفيذا وانصياعا للظروف المحيطة التي لم تكن في الحسبان. وهذا ينطبق على أي مستوى إداري، لكنه آكد وأهم كلما علا المستوى واتسع مدى القرار وقوة تأثيره. إجراء عملية صناعة القرار ليست اختيارية، بل حتمية؛ إذ إن عدم التقرير في حد ذاته صناعة قرار! فالوقت والأحداث تسير باتجاه واحد نحو المستقبل دون توقف ودون رجعة، فإما أن تركب قطار الزمن وتنتقل إلى محطة جديدة أكثر تقدما وتحضرا وفرصا، وإما أن تقبع في المحطة ذاتها لا تغادرها وتكتفي بأن تندب حظك العثر وتعلق جميع صعوباتك على كل شيء ما عدا نفسك، وهنا تكمن المشكلة، بل جذور كل المشكلات التي نواجهها ومصدر الشر والفساد الأول. فالحظ يجمع بين الفرصة والقدرة، وإذا كانت الفرصة خارج التأثير فإن القدرة التي هي نصف الحظ تقع تحت تأثيرنا. وما على الأفراد والمجتمعات في هذه الحال إلا أن يعدّوا العدة للمستقبل ويطوروا من قدراتها حتى إذا ما وافتهم الفرصة كانوا في الموعد يغتنمونها وعندها يكونون محظوظين إما بجلب منفعة أو درء مفسدة. لكن التفكير في المستقبل وإحداث التغيرات أمر مزعج ومكلف؛ لأنه خروج عن المألوف وتخل عن منافع اقتصادية ومكاسب سياسية ووجاهة اجتماعية. ولذا يتمسك البعض بهذا المألوف حتى يتحول إلى وهم خادع يعشعش في عقولهم ويتسرب الى وجدانهم ويسيطر على تفكيرهم ليحجب عنهم رؤية الأشياء على حقيقتها غير مدركين المتغيرات التي تجري من حولهم، وهذا مكمن الخطر؛ إذ يخشى أن يقضى عليهم تدريجيا مع مرور الزمن دون أن يشعروا بذلك. الركون للمألوف والمعتاد يقود إلى التراخي، اعتقادا أن الأمور والأوضاع ثابتة لا تتغير ومن ثم التوقف عن فهم الواقع وما يكتنفه من أحداث وعدم المبالاة بالمستقبل وما يحمله من فرص وتحديات.
الكلمة السحرية في صناعة القرار هي التعلم. التعلم من تجارب الماضي والتعلم من تجارب الغير؛ لأن عملية صنع القرار تعتمد على المعلومات، وكلما كانت المعلومات صحيحة وواقعية وفي التوقيت المناسب، كان ذلك أدعى وأجدر لصناعة قرارات صحيحة في التوقيت الصحيح. لكن عملية التعلم تتطلب الشفافية والنقاش المفتوح واحترام الرأي الآخر وتقبل النقد الإيجابي ليس نظريا، لكن واقعا وممارسة. في بعض الأحيان تكون الأفكار مقنعة ومفهومة ومنطقية، لكن نعجز أو نستصعب تطبيقها على أرض الواقع؛ لأننا ببساطة نرغب في الاستمرار في الوضع المريح ذاته والنهج المعتاد لتزيد الفجوة بين النظرية والتطبيق، وبالتالي تجدنا نقول ما لا نفعل. وهذا أمر خطير من شأنه تعزيز التصور غير الحقيقي لدينا والعيش في عالم وهمي غير واقعي والتغافل عن المتغيرات ورفض التعلم ومن ثم عدم استيعاب ما يدور حولنا على الأقل في التوقيت المناسب. من الأسباب الرئيسة لهذا التجاهل والتعنت والإصرار على التفكير بذات النمطية هو التعالي، ومن ثم استبعاد السيناريوهات السيئة وسماع الأمور الإيجابية فقط. ولأن صناع القرار خاصة في المستويات العليا تحيط بهم مجموعة من المستشارين والتنفيذيين يسعون إلى إبراز الحسن وإخفاء السيئ، ما يعني حجب الواقع وقطع التواصل مع المجتمع وما يحدث فيه من تغيرات. هؤلاء المستشارون في معظم الحالات مخلصون، وقد تكون نواياهم صادقة ومدركين لما يجب عمله، لكن يتصرفون حسبما يتوقع منهم ويتلبسهم الوهم ذاته مصدقين ما لا يصدق. هذا المناخ الإداري لصناعة القرار غير صحي ولا يقود الى قرارات صائبة ومؤثرة. والمشكل أن القرارت الخاطئة لها تبعات كبيرة في المستقبل لأنها تتراكم مع مرور الزمن وتتحول إلى طود كبير من المشكلات والتحديات، وعندها تقع الفأس في الرأس وتكون من الصعب جدا وربما من المستحيل معالجتها؛ لأن ما تراكم عبر السنين لا يمكن إزالته بين ليلة وضحاها، إلا في حالة واحدة، وهي صناعة قرارات كبيرة ومؤثرة وجريئة ومفاجئة تكون أكبر من هذه المشكلات وأكبر من توقعات الناس لتزلزلها وتدعها قاعا صفصا كأن لم تكن. لكن السؤال: من يجرؤ على صناعة القرارات الصعبة ؟! فمن السهل الحديث نظريا عن جرأة القرار، لكن بكل تأكيد من الصعب تطبيقه. فإضافة إلى ما ذكر آنفا فإن الصعوبة تكمن في وجود ثقافة إدارية وسيطرة تفكير جماعي يصر على الاستمرار في النهج ذاته مع اقتناع المشاركين في صناعة القرار على المستوى الفردي بالتغيير وضرورة إحداث نقلة نوعية وجذرية وتطوير أساليب جديدة لم تعهد من قبل، وإعادة هيكلة العلاقات والسلطات بين المتداخلين في عملية صنع القرار حتى لو أدى ذلك الى تبدل المراكز والأدوار.
إن الربح الحقيقي هو الربح الجماعي وتحقيق المصالح العليا للمجتمع، وهذا يتطلب نظرة جماعية مشتركة لصناع القرار وليس نظرة فردية تسيطر عليها الأنانية وتسعى إلى تحقيق المصالح الذاتية الآنية. ومن أجل إدراك المصلحة المشتركة يلزم التنازل عن جزء من حرياتنا ومصالحنا الفردية وقبول التغيير وما يصحبه من تأثيرات غير مألوفة. وهنا يجب التأكيد على أن المصلحة العامة لا تعني مجموع المصالح الفردية، إنما هي المصالح التي لا تتحقق إلا بتعاون وتكاتف الجميع، تماما كأصحاب السفينة يتفقون على الوجهة ومن ثم يجدفون باتجاهها ليصلوا الى شاطئ الأمان، وإذا لم يتفقوا وذهب كل فريق بأنانية وعناد يجدف عكس الآخر لتحار سفينتهم وسط بحر لجي من الأمواج العاتية تكاد تغرقهم إن لم ينتبهوا ويجرؤوا على صناعة القرارات الصعبة والمصيرية بتقديم المصلحة الجماعية على المصلحة الفردية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي