قرأت لوحة فتغيرت حياتي كلها!
العنوان مقتبس بتصرف من جملة للكاتب التركي أورهان باموق، استهلّ بها كتابه "الحياة الجديدة"، والكتاب ليس موضع الحديث في هذا المقال، إنما اللوحات الإرشادية الموزعة في أنحاء المعمورة ونقرأها كل يوم وفي كل مكان.
في المرة الأولى التي سمعت فيها مضيفة الطائرة تؤكد على "ضع قناعك أولا ثم ضع قناع الآخرين" لم أستطع تجاهل حقيقة أنني في حاجة إلى مساعدة نفسي أولاً، ثبت قدمك أولا ثم مد يدك إلى الآخرين، أصلح من نفسك أولاً ثم حاول إصلاح الآخرين.. والقائمة لا تنتهي.
أعتقد أن هناك جنديا سرّيا مجتهدا يكتب هذه العبارات الذهبية، ويطلقها جاهلاً كان أم متعمداً ما تصنعه عباراته من العجائب في كلّ من يقرأها بعمق. وفي سبيل البحث عن تأكيد لما أفكر فيه وجدت بعض الدراسات النفسية والاجتماعية التي ركزت بالفعل على مدى تجاوب القراء مع اللوحات الإرشادية. تذكر إحداها أن تأثير اللوحات يكمن في طبيعتها غير المتطلبة، يكتفي المارة بالقراءة والتحليل دون الحاجة إلى التفاعل والردّ.
الرد يكون هو التصرف التالي، الانتقال من مكان إلى آخر حسبما ترشده، أو القيام بفعل يضمن له سلامته!
العبارة المطبوعة على زجاج السيارة الجانبي "الأجسام الظاهرة في المرآة تبدو أصغر وأبعد مما هي عليه في الواقع"، تذكرني بالأحلام، بالطموحات، بالخطط التي نرى فشلها قبل حتى البدء فيها، والحقيقة أننا نستصغرها ونستبعدها بسبب الطريقة التي ننظر بها إليها. المشكلة إذاً ليست في الأحلام بل في كيفية نظرنا، إننا لو أخرجنا رؤوسنا من النافذة قليلاً فسنرى أن أحلامنا أقرب وأكثر واقعية.
وكم أود أن أضع لوحة "أفضلية السير لمن في داخل الدوار" في أماكن العمل وجلسات الأحاديث، والدوار هنا هو سلسلة الأحاديث التي تخصّ مجموعة بعينها، ولا تعني بالضرورة العابرين والمتطفلين. والطريف في الأمر أن مصير مقتحمي النقاشات المحتدمة عنوة سيكون مثل مصير قائدي المركبات الذين لا يقدرون سير الدوار.
في محال السوبر ماركت الكبيرة تشير لوحة "فضلاً أعد عربات التسوق هنا لسلامتك"، تذكير بمبدأ الحرص على الآخرين يعود عليك بالفائدة!، أو بمعنى أدق أحبّ للآخرين ما تحب لنفسك، أبعد العربة عن الآخرين كي لا تصطدم يوماً بها.
وكم تمنينا لو أن للبشر إشارة ضوئية تشير لثوانٍ قبل الانعطاف، بصورة إجبارية وغير قابلة للنقاش، نحنُ بحقّ نحتاج إلى إعلان أو تنبيه من نوع خاصّ يطلقه البشر قبل أن يتغيروا، قبل أن يقدموا على تصرف مفاجئ. لكننا نعود ونصطدم بالواقع: هذا يعمل فقط في السيارة.
"لا تدخل التقاطع إذا لم يكن طريقك سالكا"، اللوحة التي مررت في أحد الشوارع قبل عدة أسابيع من الآن ودونتها في دفتر صغير، قلت إن لها سراً خفياً، إنها تذهب أبعد من ذلك التقاطع! وولدت حينها فكرة الحديث عن اللوحات، وعن عباراتها المركزة، وعن الأثر الذي تتركه فينا.
ولكن في الحقيقة هل كلنا نقرأ؟