المطلوب قفزة نوعية في الإصلاح الإداري
أقول قفزة نوعية تعبيرا عن حجم التغيير المطلوب وسرعته، فالمرحلة التي نخوضها في الوقت الراهن وما يكتنفها من مستجدات وتحديات تتطلب قرارات حاسمة ومؤثرة تحقق مستويات أعلى من الكفاءة والفاعلية والشفافية والعدالة في العمل الحكومي. لم يعد السؤال حول ضرورة التطوير والإصلاح الإداري من عدمه، لكن مقدار التطوير وتوقيته واتجاهه وسرعته. قد يُكتفى في مرحلة سابقة بإنشاء الكيانات والأنظمة الإدارية بمفهومها البيروقراطي الصرف والتركيز على تطبيق الإجراءات الروتينية الرتيبة دون ربط معظمها بالأداء والنتائج المتوخاة لتكون شكلية دون تأثيرات كبيرة في الواقع الاقتصادي والاجتماعي. هذا التوجه للإصلاح الإداري من المنظور البيروقراطي يمنح شعوراً وهمياً بالإنجاز والتغيير, لكنه غير حقيقي فهو لا يرتبط إلى درجة كبيرة بالواقع ومتطلباته الملحة والمتسارعة. الإصلاح الإداري في جوهره يتطلب نظرة شاملة للتنظيم الإداري الحكومي أفقياً وعمودياً، تتجاوز الإطار البيروقراطي والأجهزة التنفيذية إلى صياغة نظم إدارية تحدد الأدوار وتوزع الصلاحيات والسلطات بين المستويات الوطنية والمناطقية والمحلية، ويمنح الاستقلال الإداري والمالي للهيئات المحلية ومساحة كافية لصناعة القرارات المحلية. وهذا يستلزم بالضرورة التمييز أفقيا بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بحيث لا تجتمع هذه السلطات أو بعضها في جهة واحدة، ما يضمن الرقابة المتوازنة فيما بينها تحقيقا للشفافية والمحاسبة في إطار مؤسسي واضح المعالم.
هذه الأفكار والقيم المطروحة لا تخرج عن النهج الذي اختطه الوالد المؤسس الملك عبد العزيز ــ رحمه الله، فمنذ اليوم الأول لتوحيد البلاد وضع التعليمات الأساسية التي هي بمنزلة ميثاق وطني يحدد الصلاحيات والحقوق والمسؤوليات، وأنشأ مجلسا للشورى ونظاما للوكلاء وآخر لأمراء المناطق. هذه أمثلة لبعض الأعمال الرائدة التي قام بها ــ رحمه الله ــ وهي تدل دلالة واضحة على فكره الإصلاحي الاستباقي. لقد كان عملا جبارا يبعث على الفخر والاعتزاز, وسر عظمته أنه ــ رحمه الله ــ يستبق الأحداث والناس في إحداث التغيرات المطلوبة دون تباطؤ ولا توان, إنما بعزيمة وإصرار والتزام بعد مشورة وتوكل على الله، فتوحيد المملكة ذاته عمل استباقي وطفرة سياسية إصلاحية فاجأت الجميع. وهذا هو سر تألق الملك عبد العزيز ــ رحمه الله ــ أنه لم تكن قراراته ردة فعل آنية, إنما رؤية بعيدة المدى، ومبادرة للعمل بشكل فوري والسعي حثيثا في السيطرة على الأحداث بدلاً من أن تسيطر عليه، بل حتى الإسهام في صناعتها. فقد كان ــ رحمه الله ــ ذا بصيرة نافذة وعقلية مستنيرة، وسياسيا من الطراز الأول استطاع عبر سياسة الباب المفتوح والوقوف على مسافة واحدة من الجميع دون تعال أو تمييز، أن يزرع في قلوب شعبه ووجدانهم حب الوطن بكل قيمه وتقاليده. هكذا أحبه شعبه ودانوا له بالولاء لا خوفاً ولا طمعاً, إنما لأنه يتمثل قيمهم ويقودهم بالقدوة الحسنة والعدل والإحسان ملتصقا بواقعهم يحس بهم, مدركاً لمتطلباتهم بقراءة صحيحة لحاضرهم ورؤية واضحة لمستقبلهم. ربما تشابه النظام الذي اختطه الملك عبد العزيز ــ رحمه الله ــ إلى حد كبير مع النظم الديمقراطية وإن اختلف في الشكل, حيث كفل الحريات، وصان كرامة الناس وحقوقهم، وحقق لهم الأمن والأمان، وسعى إلى تنمية المجتمع بتوازن دقيق بين الأصالة والمعاصرة. ولذا آن الأوان لتحويل هذا النهج السياسي وما يحويه من قيم حضارية وغايات عالية، إلى عمل مؤسسي يحافظ عليه ويبرزه بما يتناسب مع متطلبات العصر, فالقيم العظيمة تحتاج إلى آليات تطبيق تتواءم مع المكان والزمان وإلا ظلت بعيدة عن الواقع، مثل الجواهر الثمينة المطمورة تحت التراب تفقد بريقها وجاذبيتها وتغيب عن الأنظار.
لقد أصبحت وتيرة المتغيرات والمستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية سريعة جداً لا تحتمل التأخير في مواجهتها أو التغافل عنها، حتى إن لم تبد بعضها واضحة, فما لا نراه أخطر مما نراه. سيكون من الأجدر وربما السبيل الوحيد في التعامل مع هذه المتغيرات والتحديات، هو إعادة هيكل الإدارة العامة على وجه السرعة ليكون أكثر قدرة على الاستجابة لها، بل النظر إليها كفرصة مواتية وتطويعها لمصلحة التنمية الوطنية. وهذا يؤكد مرة أخرى ضرورة النظر إلى الإصلاح الإداري من زاوية جديدة أكثر عمقا وشمولية وتتناول القضايا الحساسة والمهمة بشفافية تامة ونقاش صريح. لم يعد في الإمكان الاعتماد على الإنفاق السخي فقط في معالجة المشكلات، فالإنفاق الحكومي يحتاج إلى أن يكون أكثر مواءمة للاحتياجات الحقيقية للمجتمع, وأن يستهدف المشاريع الاستثمارية والتنمية المستدامة والمتوازنة وليس الاستهلاكية فقط. القطاع العام هو مفتاح التنمية الوطنية، وعلى درجة قدرته على تهيئة المناخ الاقتصادي والاجتماعي، تتحقق مستويات أعلى للتنمية. وقد يكون أهم الخطوات في هذا الاتجاه تطبيق اللامركزية بحيث تمنح مجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية الاستقلال الإداري والمالي، وتخصيص ميزانيات على أساس مناطقي وليس قطاعيا. وهذا التوجه منبعه تراثنا الإرادي في الحرص على تحقيق متطلبات المجتمعات المحلية وأن السكان المحليين أكثر دراية واهتماما بشؤونهم, وهو ما يلخصه مقولة كان يرددها الملك عبد العزيز ــــــــــ رحمه الله ''يرى الحاضر ما لا يرى الغائب'' وهو في الوقت ذاته يؤكد نهجه في التركيز على النتائج وليس الإجراءات فقط، فقد أثر عنه توجيهه لممثليه في المناطق من أمراء ومسؤولين محليين ''لا يجيني أحد يشكي'' أي لا يأتيني مواطن يشتكي مظلمة أو سوء معاملة, لأن ذلك مؤشر لعدم رضا الناس. هذا المنهج رغم بساطته إلا أنه ينطوي على معان عميقة أساسها الاهتمام بالمواطن وخدمته تطبيقا لمبدأ حكومة من أجل الناس. لكن السعودية تغيرت كثيرا عما كانت علية أيام الملك عبد العزيز ــــــــــــ رحمه الله ــــــــــــ فعدد السكان والمدن تضاعف عدة مرات، فعند توحيد المملكة لم يتجاوز عدد السكان المليونين, معظمهم يسكن البادية، بينما يبلغ عدد السكان حسب آخر إحصاء ما يقارب 27 مليونا, معظمهم يسكنون المدن. هذا التحول الكبير في عدد السكان ونسبة التحضر وما تبعهما من تغير في أنماط الاستهلاك، وتطور التعليم وتقدم تقنية المعلومات والعولمة، وما طرأ من تغير ثقافي وارتفاع مستوى التوقعات, طفرة اقتصادية واجتماعية وثقافية يحتم إيجاد نظام إداري حكومي يحاكي هذا الواقع الجديد ويتيح الفرصة لإطلاق الطاقات المحلية بمنحها مساحة كافية لإدارة شؤونها المحلية. اللامركزية وإن بدت للبعض أنها تقليل من سلطات الهيئات المركزية، إلا أنها في واقع الأمر نوع من الرقابة وتضييق نطاق الإشراف, ما يمنح قدرة أكبر على التحكم والسيطرة النوعية وليست الشكلية. المطلوب قفزة نوعية في الإصلاح الإداري حتى يتحقق التأثير المطلوب، فالقرارات الصائبة كما يعلمنا نهج الملك عبد العزيز لا تأتي متأخرة, إنما تستبق الأحداث والزمن.