رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


من شرفة مكتبي المطل على ميدان التحرير!

في مكتبي في جامعة الدول العربية ومن الشرفة المطلة على ميدان التحرير قلب القاهرة النابض .. وقفت أتأمل هذه الجموع الغفيرة التي تتقاطر وتتدافع وتتزاحم وتفترش الميدان، حتى أصبح الميدان يكتسب عراقة الأحياء الشعبية الأصيلة. المنظر العام وأنا أطل من الدور السابع يوضح أن لميدان التحرير عشرة مزاريب كلها تصب في قلب الميدان، وهذه المزاريب العشرة تجعل التمثيل لكل شرائح المجتمع في الميدان حقيقة لا تقبل التزوير أو التغليط. والصورة المثيرة لميدان التحرير تجعله يبدو كما البرلمان الشعبي مفتوح على مصراعيه يدخله كل المصريين ممثلين لكل شرائح الشعب المصري.
وأهم مزاريب ميدان التحرير المزراب الآتي من باب اللوق الذي يمثل القادمين من الحلمية والأزهر والحسين وعابدين والقلعة وشارع محمد علي، ثم مزراب ميدان عبد المنعم رياض ويمثل القادمين من الفجالة وميدان رمسيس وإمبابة وبولاق وبولاق الدكرور، أمّا مزراب القصر العيني فإنه اتجاه واحد يسمح بمرور القوافل القادمة من حلوان والمعادي ومصر القديمة وزينهم والمنيل وحي السيدة عائشة ونفيسة.
وهذه المزاريب الثلاثة تمثل أكثر ما تمثل الطبقة الدنيا، وهي الطبقة التي تطلق على نفسها بـ "الطبقة المطحونة"، أمّا المزراب الآتي من كبرى قصر النيل فإنه يسمح بمرور شرائح الطبقة الوسطى لأن القادمين من خلاله هم سكان الدقي والمهندسين والزمالك والجيزة.
إذن ميدان التحرير ليس ميداناً يقع في سرّة القاهرة الكبرى وتتواصل فيه كل الشوارع الرئيسة فحسب، بل هو مسرح سياسي كبير تتمثل فيه كل فئات واتجاهات الشعب المصري، ولكن مع ذلك لا أتصور أن في ميدان التحرير مكانا للطبقة العليا التي تعد مصدر الشكوى لكل الفئات.
أمّا المزراب الذي لم يخطر على كثير من المراقبين السؤال عنه فهو مزراب عملاء المخابرات الأمريكية والموساد، بعض وكالات الأنباء أشارت إلى أن المخابرات الأمريكية والموساد استخدما باب اللوق وميدان عبد المنعم رياض لأنه يعبر عن الطبقة الكادحة التي صنعت هذا الحدث الفريد، وبناء على ذلك رفعت المخابرات الأمريكية على عجل تقارير غير دقيقة عن الوضع المصري ووصفت الحالة بأنها ثورة شعبية كاسحة أدت إلى انهيار كامل في قوى الداخلية المصرية، وطلب التقرير من الإدارة الأمريكية أن تغني على رحيل نظام الرئيس مبارك وتطالبه بمغادرة مصر إلى الوجهة التي يريدها.
وفي ضوء التقارير التي وصلت إلى الرئيس أوباما من مخابراته انزلق الرئيس الأمريكي في هذا الاتجاه واتصل بالرئيس مبارك وطلب منه صراحة أن يغادر مصر ويرحل كما رحل الرئيس زين الدين عابدين بن علي ويترك المعارضة تشكل حكومة جديدة وتختار رئيسا جديدا لمصر.
ولكن الرئيس مبارك فاجأ الإدارة الأمريكية بخطابه المصري المهم الذي ألقاه على الشعب المصري وقال فيه مجموعة من العبارات المصرية الآسرة للقلوب والمدغدغة للعواطف قال: أنا مصري شاركت في سلامها وحربها وأنزلت بالأعداء هزائم ساحقة، إنني مصري ولدت في مصر وسوف أموت في مصر ولن أبرحها.
ولا شك أن هذا الخطاب أذهل الإدارة الأمريكية التي كانت تظن أن الرئيس مبارك سيرحب بمغادرة مصر، وفي الوقت نفسه أطفأ نيران الغضب لدى كثير من شرائح الشعب المصري، حتى أن الشعب المصري انقسم على نفسه بين متعاطف مع مبارك، ومؤيد للانتفاضة.
ومعروف من التجارب الكثيرة السابقة أن السياسة الأمريكية سريعة الطلاق لحلفائها، فقد سبق أن انقلبت على شاه إيران، وانقلبت على صدام حسين، ثم انقلبت على زين الدين بن علي.
وعقب هذا الخطاب (المصري الرومانسي) أصدر الرئيس مبارك مجموعة من قرارات التغيير التي بدأت باستقالة وزارة نظيف وتعيين وزارة جديدة برئاسة أحمد شفيق، ثم تعيين عمر سليمان نائبا لرئيس الجمهورية، وقرار جمهوري يطلب من مجلس الشعب تعديل الدستور بما يجعل ولاية الرئيس لفترتين رئاسيتين فقط، وكذلك مطالبة مجلس الشعب بقبول الطعون في بعض دوائر انتخابات مجلسي الشعب والشورى، وكذلك أكد الرئيس أنه لا للتوريث وأنه لن يرشح نفسه للرئاسة في الانتخابات المقبلة، وأنه يكتفي بما تبقى له من فترة دستورية تمتد حتى أيلول (سبتمبر) القادم، ثم فتحت إدارة الرئيس مبارك باب الحوار مع المعارضة بكل أطيافها وكل أحزابها بدءا من الشباب والأحزاب السياسية كافة وحتى الإخوان المسلمين الذي كان نظام الرئيس مبارك ــ على مدى 30 عاما ــ لا يعترف بهم ولا يقبل التفاوض معهم علماً بأنهم أقوى القوى السياسية في الشارع المصري.
أكبر التغييرات التي قام بها الرئيس مبارك هي الإقالات التي طالت الحزب الديمقراطي الحاكم، حيث بدأ بإقالة ابنه جمال مبارك وقفل في وجهه احتمالات التوريث، ثم أقال رأس الأفعى صفوت الشريف والملياردير أحمد عز والمنظر علي الدين هلال، وعين الرئيس مبارك مجموعة من الشخصيات المقبولة في الشارع المصري وعلى رأسهم أمين السياسات حسام البدراوي.
هذه التغييرات الاستراتيجية التي بدأ تنفيذها بالفعل على أرض الواقع كادت أن تحلحل تماسك الجموع الغفيرة في برلمان مصر الكبير بميدان التحرير، فبدأ الانقسام يدب في صفوف المعارضة وبدأت الحركة تعود إلى الشارع المصري، وبدأ نظام الرئيس مبارك يستعيد شيئا من عافيته وبدأت الكثير من الأجهزة الحكومية والبنوك تعود إلى العمل.
إزاء ذلك استدركت الإدارة الأمريكية بعد تخبطها في الوقوف مع أو ضد إدارة الرئيس مبارك حتى خرج الرئيس أوباما بتصريح يختلف عن تصريحاته السابقة 180 درجة، فقال إن الرئيس مبارك يملك من الشجاعة ما يستطيع أن يضبط إيقاع الشارع المصري وهو قادر على احتواء الموقف بعد أن اتصل به يوم الغضب وطلب منه أن يغادر السلطة.
ولكن صوت الشارع المصري عاد مرة أخرى إلى الهدير وطالب بتغيير رأس النظام بل وشدد في مطالبته حتى استجاب الرئيس وأعلن عن تنحيه من منصب رئاسة الجمهورية.
الآن نستطيع القول إن ما حدث في مصر طوال الـ 20 يوما الماضية أصبح ماضيا، والأهم ماذا عن المستقبل؟
إنني أنتظر مع كل المنتظرين الذين يرددون، وماذا بعد، هل تبدأ الخلافات بين قوى الشارع وتقع مصر فريسة الصراع على السلطة، أم يستطيع حكماؤها أن يرسموا خريطة طريق تنقذ مصر من خطر محدق بها لا سمح الله ؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي