قراءة في خطاب الإرهاب - العملية الانتحارية في استوكهولم (2)
الإرهاب والعمليات التي ترافقه ولا سيما الانتحارية منها صارت حديث الساعة في أرجاء المعمورة كافة. والحديث عن الإرهاب معناه الخطاب الذي نستخدمه عند الإشارة إليه أو التعريف به. والخطاب كما قلنا سابقا له أوجه وأشكال مختلفة منها المكتوب والمرئي والمسموع والمصور من خلال صور ثابتة أو متحركة.
وقبل الدخول في صلب موضوعنا لهذه الجمعة المباركة أود التأكيد مرة أخرى أن الإرهاب منبوذ ومدان وعمل بشع ومخالف لأبسط الشرائع الإنسانية، وأن الإدانة تشمل ضمن ما تشمل العملية الانتحارية التي جرت في استوكهولم في الشهر الماضي. ولكن هل نكتفي بهذا القدر من الإدانة؟
هنا يكمن مشكل الإرهاب، الغرب يريدنا أن ندين الإرهاب من طرف واحد، أي ما تقترفه بعض الجماعات الإسلامية وأفرادها ونغض النظر عن أي شكل آخر من الإرهاب. بمعنى آخر قتل النفس البريئة مدان إن كان القاتل انتحاريا وكان المسبب مسلما. أما قتل النفس البريئة من قبل القوات الغازية الغربية وأدواتها وعدتها القتالية فليس من الإرهاب في شيء.
منذ العملية الانتحارية في استوكهولم والإعلام والسلطة في السويد منهمكان في دراسة الموضوع وتحليله من عدة جوانب. لكن الخطاب بمجمله موضوعي يستند إلى ازدواجية في الموقف من الإرهاب، لم يحصل حسب اطلاعي أن قام كاتب بتقديم نقد وتحليل عن السبب والمسببات التي تجعل شخصا له زوجة وأطفال يفجر أو يحرق نفسه، العمل شنيع ومدان، هذا لا جدال فيه، ولكن هل لنا أن نسأل أنفسنا عن الظروف التي تدفع شخصا إلى القيام بهذا؟ هنا يكمن المشكل الآخر، الغرب لا يريد أن ندرس الظاهرة من ناحية سببها ومسبباتها.
وفي هذا الأسبوع التأم البرلمان السويدي كي يناقش ظاهرة التطرف الإسلامي، ومن غرائب وعجائب عصرنا هذا أن الدعوة أتت من قبل حزب "زفريا ديمكراترنا" وهو حزب يميني متطرف وتطرفه يرقى في كثير من المناحي إلى تطرف بعض الفرق الإسلامية، في كل النقاش الذي حدث حتى كتابة هذه السطور لم ينهض برلماني سويدي واحد ويطلب من الحزب هذا أن يرفع غشاوة التطرف عن عينيه كي يكون بمقدوره رؤية التطرف لدى الآخرين.
#2#
ولم يكن لدى البرلمانيين الذي قرأتهم شجاعة تدعوهم إلى التطرق إلى السبب الذي يدفع بعض المسلمين إلى القيام بأعمال كهذه، لم يتطرق أي برلماني سويدي إلى ما يقوم به بعض الغربيين من أعمال ترقى لا بل تفوق أحيانا إرهاب العمليات الانتحارية. لم يتحدث أحد مثلا عما إذا كانت مشاركة السويد في غزو أفغانستان لها علاقة بهذا الأمر أو أن احتلال بلاد المسلمين بمئات الآلاف من الجنود المدججين بأفتك الأسلحة في العراق وفلسطين وأفغانستان وأماكن أخرى قد يكون واحدا من المسببات.
وبما أن الصورة قد تنطق وتعبر بطريقة أفضل بكثير من الكلمة، لنقارن بين الانتحاري في استوكهولم والانتحاري "الآلي" الذي تستخدمه الولايات المتحدة وإسرائيل في قتل المسلمين في أمصار إسلامية عديدة ولا أعلم إن كان لصناعة السلاح السويدية الفائقة التطور ضلع فيه.
كم من أبرياء قتل هذا الانتحاري الآلي إن في العراق أو فلسطين أو أفغانستان وأماكن أخرى. كم من أعراس بعريسها وعروستها وأطفالها وشيوخها ونسائها فتك بهم هذا الطائر الآلي، وهذه إحدى المجازر التي اقترفها في أفغانستان.
بعد العملية الانتحارية في استوكهولم هب العالم، ونحن معه أيضا، إلى التعبير عن استيائه وامتعاضه وإدانته وإلى التعبير عن تعاطفه ودعمه للحكومة والشعب السويدي، نعم يستحقون ذلك. ولكن السؤال الذي يخشى العالم الإجابة عنه وتخشى الحكومة السويدية والإعلام السويدي التطرق له هو إن كان الإرهاب الآلي في الصورة الأولى يستحق الإدانة أم لا، النشر في الإعلام أم لا. والسؤال الآخر الذي يخشى العالم الإجابة عنه أو حتى التطرق إليه هو إن كان ضحايا هذا الانتحاري الآلي في الصورة أعلاه يستحقون الشفقة أو الرحمة أو التعاطف أو الدعم.
قتل الأفغان المساكين بهذه الصورة الشنيعة لا يثير أي ردود فعل على الإطلاق في السويد أو أي بقعة أخرى من العالم، ولا سيما الغربي منه. أليست السويد شريكة أمريكا في غزوها لأفغانستان؟ كلنا نفتقد الشجاعة اللازمة لقول الحق وإنصاف ضحايا "انتحاريي" الغرب وإدانتهم. ولكننا لا نتورع في قول الحقيقة عندما يتعلق الأمر بإنصاف ضحايا الانتحاري البشري وإدانته. كلنا محقون في إدانة الانتحاري البشري ولكننا منافقون ومراؤون في الوقت نفسه لأننا نخشى إدانة الانتحاري "الآلي" رغم الفرق البسيط بينهما: صاحب الانتحاري الثاني يملك السلطة والتكنولوجيا والمال لصنع ما يعوض عما يقوم به الانتحاري الأول.
كلنا نتباهى بالانتحاري الذي تصنعه التكنولوجيا ونقبله فكريا وأيديولوجيا، أليس كذلك؟ إننا لعلى وهم كبير!
وإلى اللقاء.